الحاشدي يحلل دور مؤسسات المجتمع المدني في اليمن

دراسة "المجتمع المدني والتنمية قراءة تأصيلية" تتناول أهم قطاع في المشاركة المجتمعية وهو ما يسمى بـ "القطاع الثالث" أو الجمعيات الأهلية في المجتمع الحضري اليمني.


تراجع العمل التطوعي ومحدوديته في منظمات المجتمع المدني


التطوع ينشط في حالة الكوارث الطبيعية مما يجعله موسمياً

تستمد هذه الدراسة "المجتمع المدني والتنمية قراءة تأصيلية" للباحث أمين عبدالله علي الحاشدي أهميتها كونها تتناول أهم قطاع في المشاركة المجتمعية وهو ما يسمى بـ "القطاع الثالث" أو الجمعيات الأهلية في المجتمع الحضري اليمني كما تهتم بملامحه، وتطوراته، واتجاهاته، ونشاطه، وحجم المساعدات الرعائية والتنموية التي يقدمها لتنمية المجتمع اليمني، إلى جانب الدولة والقطاع الخاص لرفع مستوى الخدمات التي تقدم للمواطنين للتخفيف من وطأة سياسة الإصلاح الاقتصادي التي فرضت على البلدان النامية والتي منها اليمن من قبل البنك الدولي، لتدعيم التنمية الاجتماعية للمجتمع الحضري اليمني.
نظريا تتجلى أهمية الدراسة الصادرة عن مؤسسة أروقة للدراسات والنشر في كونها طرقت باباً جديداً تناولت فيه دور مؤسسات المجتمع المدني في تنمية المجتمع اليمني على المستوى المحلي وفقا للباحث. أما أهميتها على المستوى التطبيقي فقد حاولت الكشف عن دور الجمعيات الأهلية في تنمية حضر المجتمع اليمني، وأثر ذلك على مستوى المعيشة للفئات المستهدفة من نشاط تلك الجمعيات من خلال تحسين مستوى الخدمات التنموية لتلك الفئة لغرض التخفيف من مشكلة الفقر، إلى جانب معرفة حجم المساعدات المقدمة ونوع الفئات المستهدفة بالإضافة إلى المعوقات والمشاكل التي تواجه هذا النشاط، وما هي الرؤية المستقبلية في تطوره ليتمكن من أداء دوره الفاعل في التنمية من خلال العمل الاجتماعي مستفيداً برأس المال الاجتماعي انطلاقاً من واقع المجتمع والمشاركة الشعبية النابعة من معاناة المجتمع إلى جانب معرفة حجم المنظمات غير الحكومية بعد التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي حدثت في المجتمع اليمني في سياق تشكله السياسي قبل الثورة في الشمال وبعد الاستقلال في الجنوب حتى قيام الوحدة اليمنية المباركة، وما تبعها من تطور ونمو القطاع، بعد أن تهيأت له أطر سياسية وقانونية يعمل من خلالها في أنشطة اجتماعية مختلفة في مجال التنمية والرعاية الاجتماعية والدفاع عن الرأي وحقوق الإنسان والتأثير على السياسات، بالإضافة إلى الأنشطة الثقافية والبيئية التي تخدم التنمية المجتمعية في اليمن والربط بينها من حيث حجمها وتطورها ومدى انتشارها مقارنة بعدد السكان من خلال الواقع الاجتماعي اليمني، لغرض معرفة الظروف التي ساعدت على تشكله أو حالت عدم ظهوره في الماضي والحاضر، وإلى أين يتجه والتنبؤ به في المستقبل. 
يقول الحاشدي إن البداية الحقيقية للمجتمع المدني في اليمن لا تبتعد كثيراً عن مثيلاتها في بعض البلدان العربية، وأن تاريخ اليمن الحديث شهد تنامياً للعمل الجماعي والتطوعي في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين في إطار تجربة هيئات التعاون الأهلي للتطوير.
ويلاحظ تراجع العمل التطوعي ومحدوديته في منظمات المجتمع المدني، إذ لا يتوافر لديها متطوعون دائمون باستثناء أعضاء مجالس الإدارة، ويتفاوت نقص المتطوعين لدى المنظمات وفقاً للمنظمة ومجال وتاريخ بداية نشاطها. فالمنظمات حديثة التأسيس والتي تنشط في المدن وخاصة في مجال الثقاقة، والمعلوماتية، والحقوق، الحريات تعاني من قلة المتطوعين في شكل يفوق وضع المنظمات الريفية التي تنشط في مجال التنمية المحلية لاسيما تلك التي تأسست منذ فترة بعيدة. كما أن التطوع ينشط في حالة الكوارث الطبيعية مما يجعله موسمياً، فضلاً عن أن المتطوعين غالباً ما يكونون من الذكور، فتشير نتائج الدراسات التي أجريت على عيِّنة من المنظمات في اليمن إلى أن نسبة 40 % من إجمالي المنظمات التي أجريت عليها الدراسة تعاني دائماً من نقص المتطوعين الذكور مقابل نسبة 35% من إجمالي المنظمات تعاني دائما من نقص المتطوعين من الإناث.
ويشير الحاشدي إلى أن تراجع العمل التطوعي في اليمن يرجع إلى عدة أسباب منها: أولا اتجاه الأفراد نحو استغلال أوقاتهم في أعمال إضافية بأجر مادي لتحسين ظروفهم المعيشية في ظل تراجع مستوى دخل الفرد وتوسع ظاهرة الفقر. ثانيا: عدم توافر الوعي الكافي لمفهوم العمل التطوعي لدى العديد من المتطوعين وعدم تقديرهم لمدى أهمية العمل التطوعي في تنمية المجتمع. ثالثا: تدني قيم المشاركة والعمل التطوعي نظراً لأن نشاط الكثير من المنظمات يغلب عليه الطابع الرعائي بأساليبه التقليدية وعدم قدرتها على تجديد أنشطتها وآليات عملها وعلاقاتها مع أفراد المجتمع. رابعا: استمرار نفس القيادات على رأس بعض منظمات المجتمع المدني ولفترات طويلة وتسخير نشاطها لخدمة أغراض تلك القيادات ولَّد شعوراً عاماً بعدم الرضاء والسخط في المجتمع مما جعل آثاره تنعكس على عزوف الأفراد عن التطوع لشعورهم بأن تلك المنظمات لا تعمل إلا لتحقيق مصالح قياداتها. 

قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية يتضمن التمثيل النسبي للإناث ضمن الهيئة الإدارية للمنظمات المؤسسية ليتم الدمج بين الذكور والإناث في النشاط ليتم القضاء على ظاهرة المنظمات المنغلقة

ويلفت أنه في السياق التاريخي يبدو أن العمل الاجتماعي ـ الأهلي قد نشط مبكراً في مناطق الجنوب أكثر من مناطق الشمال، كما بدأ أكثر نمواً في حقبتي الثلاثينيات والخمسينيات من القرن العشرين وذلك لأسباب داخلية وخارجية. 
ويضيف الحاشدي أنه بعد اندلاع الثورة في الشمال في سبتمبر/أيلول 1962، ونيل الجنوب استقلاله، في نوفمبر/ تشرين الثاني 1967، منعت الدولة العمل الحزبي دستورياً في الشمال والجنوب، أما الجمعيات الخيرية والمنظمات النقابية، فسمحت الجمهورية العربية اليمنية (الشمال) بتأسيسها بمقتضى القانون رقم 11 لعام 1963، بينما شمل الحظر في الجنوب الجمعيات القائمة على أساس مناطقي وسمح باستمرار نشاط المنظمات النقابية والزراعية وبلغ عددها 259 تعمل في العمل الحرفي والاستهلاكي، وسعت الدولة الشطرية، عامة في الشمال والجنوب إلى الهيمنة على النقابات والمنظمات غير الحكومية، ففرضت عليها ألا يتعارض نشاطها مع سياسات الحزب الحاكم واتجاهاته وأهدافه في الجنوب، أما في الشمال، فاتجهت الدولة إلى التحكم في النقابات العمالية إلى حد أن رئيس الاتحاد العام للنقابات كان يعيَّن بقرار من رئيس الجمهورية، كما تدخلت الدولة من خلال السلطات الواسعة التي منحها القانون لوزارة الشئون الاجتماعية، ومن ضمنها حق إلغاء أو تجميد نشاط الجمعيات والنقابات، وتدخلت أجهزة الدولة في شئون المنظمات غير الحكومية بحجج عديدة، فأنشأت منظمات غير حكومية موالية للسلطة، وشلت دور المنظمات التي حاولت الدفاع عن استقلاليتها. 
ويلاحظ الحاشدي أنه في ظل هذا الوضع، عرفت الجمهورية العربية اليمنية (الشمال) تجربة رائدة في مجال التنمية المحلية خلال الفترة 1970 – 1985، وهي تجربة هيئات التعاون الأهلي، يرى البعض أن منتصف السبعينيات شهدت يقظة الحركة التطوعية والبعض يرفع مكانة هذه الفترة ويطلق عليها أنها فترة التأسيس الحقيقي للحركة التطوعية، وقد حققت الحركة التطوعية إنجازات مهمة ملموسة في تنمية المجتمع المحلي في جميع الاختصاصات رغم جملة المصاعب. وقد بلغ عدد هيئات التعاون الأهلي والتطوير العاملة حينذاك 28 هيئة توعية محلية بالإضافة لعدد 96 من الجمعيات الزراعية والاستهلاكية والسمكية والحرفية والإسكان، فبلغ إجمالي عدد المنظمات 124 في الفترة (1970-1990) جمعية ومنظمة. إلا أن هذه التجربة أجهضت عام 1985 عندما صدر القانون رقم 5 عام 1985 الذي فرض هيمنة الدولة على هذه الهيئات من خلال تحويلها إلى مجالس محلية، فتحولت إلى منظمات شبه حكومية.
ويرى الحاشدي أنه في بداية التسعينيات نشأت ظروف وتحولات عديدة على الساحة الدولية لم تكن بلادنا بمنأى عن تأثيراتها وتطوراتها وجاءت الوحدة اليمنية في 22 من مايو/آيار 1990، لتخلق ظروفاً مواتية لقيام دولة يمنية تنتهج الديموقراطية والتعددية السياسية والحزبية وتكفل للمواطن حقوقه ومساهمته في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بشكل يحفظ كرامته وحقوقه وحريته، وفي الاتجاه نفسه سعت الدولة نحو تركيز وظيفتها الاقتصادية على تلك المجالات الرئيسية المتعلقة بتحقيق الاستقرار الاقتصادي وتحسين البنية التحتية وتطوير الخدمات الاجتماعية الأساسية وخصوصاً الصحة والتعليم وتنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي ومالي يعمِّق من تطبيقات الاقتصاد الحر القائم على آليات المنافسة ويؤكد على الدور الجديد الذي يفسح المجال واسعاً أمام القطاع الخاص والقطاع الأهلي ليعملا جنباً إلى جنب مع الدولة في شراكة ثلاثية تأخذ في الاعتبار احتياجات السكان والمجتمعات المحلية وتتصدى للفقر والبطالة وغيرها من الظواهر التي تزيد من معاناة الناس وتلحق الأضرار بهم. 
وهكذا نشأت بعد قيام الوحدة عوامل وظروف مناسبة لنشوء كثير من المؤسسات والجمعيات الأهلية وانتشـرت على مستـوى كافـة محافظات الجمهورية خلال السنوات (1990-2006) ووصل عددها وفقاً للإحصائيات المسجلة بوزارة الشئون الاجتماعية والعمل حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2006 إلى 5632 منظمة أهلية وتعاونية.
وقد استنتج الحاشدي إن أغلب الناشطين في مؤسسات المجتمع المدني في اليمن هم من الذكور ومن الطبقة المتعلمة ثم يليهم النساء وهم من المتعلمات، وإن المنظمات الأهلية إما أن تكون منغلقة على الرجال وإما على النساء. وأن هذه مؤسسات تعمل ضمن السياق الاجتماعي الحضري وخاصة في مراكز المدن الرئيسية كالمحافظات وبعض المدن الثانوية التابعة لها، والجزء اليسير لا يكاد يذكر تعمل في الأرياف كمشروع تنموي في إحدى القرى تقوم بتنفيذه بعض المنظمات الكبيرة. وأن الأنشطة التي تقوم بها هي أعمال تنموية تتركز كلها في مجال التنمية البشرية، كالتدريب والتأهيل لبعض المستفيدين من الشباب والشابات والأسر والأطفال والأيتام على أعمال الكمبيوتر والخياطة والتطريز ونسيج الأحزمة والمزهريات والكوافير وتوصف هذه الأنشطة بأنها أعمال تقليدية لا ترقى إلى درجة الأعمال التنموية التي تؤسس لبنية تحتية مستقبلية في اليمن. 
كما استنتج غياب التنسيق بين منظمات المجتمع المدني العاملة في اليمن، وعدم وجود قاعدة بيانات عن المستهدفين، تجعل العلاقة بين تلك المنظمات والمستهدفين غير واضحة، مما يؤدي إلى تكرار بعض الأنشطة للمستفيدين من أكثر من منظمة، وعدم حصول أي مستفيد آخر على أية مساعدة وهو في أمس الحاجة إليها. 
وأكد الحاشدي أن تصورات الدور المستقبلي لمنظمات المجتمع المدني في التنمية في اليمن، لا يمكن أن يكون إن لم يكن يعبر عن واقع المجتمع الذي أنشئت من أجله، فالمشاركة الإيجابية في أنشطة المنظمات، والتخطيط الأفضل للأنشطة بالإضافة إلى الاهتمام بقضايا أعضاء المنظمة يحسِّن من دورها المستقبلي في التنمية.
وأوصى الحاشدي بعدد من التوصيات من بينها:ـ تهيئة بيئة قانونية ويتم ذلك من خلال توسيع هامش الديموقراطية وإصدار عدد من التشريعات التي تنظم عمل مؤسسات المجتمع المدني بشكل عام سواء كانت منها الخيرية أم التنموية أم البيئية أم الثقافية أم الحقوقية أم الثقافية وإعطاء الاستقلالية الكاملة عن الدولة لمزاولة نشاطها وعدم التأثير على ذلك النشاط مهما كانت الظروف والأسباب وترك ذلك للقضاء للفصل في مثل هذه الحالات وربطها من الناحية الإشرافية فقط بوزارة الشئون الاجتماعية والعمل بحيث تكون هي المسئول المباشر عنها دون أية جهات أخرى، وأن يتضمن قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية التمثيل النسبي للإناث ضمن الهيئة الإدارية للمنظمات المؤسسية ليتم الدمج بين الذكور والإناث في النشاط ليتم القضاء على ظاهرة المنظمات المنغلقة.