الحجاج يعيشون السيرة النبوية عبر التفاعل الرقمي
الرياض ـ في قلب أبراج الساعة، وعلى بُعد خطوات من المسجد الحرام، يتوافد ضيوف الرحمن من مختلف أنحاء العالم إلى المعرض والمتحف الدولي للسيرة النبوية والحضارة الإسلامية، ليعيشوا تجربة معرفية وروحية تجمع بين أصالة السيرة النبوية الشريفة وأحدث التقنيات التفاعلية التي تحوّل التاريخ إلى مشهد حيّ نابض بالإيمان والجمال.
ويقدّم المتحف، الذي تشرف عليه رابطة العالم الإسلامي، نموذجا فريدا في عرض السيرة النبوية بأسلوب علمي موثّق، يجمع بين التأصيل والابتكار، ففي أكثر من 30 جناحا معرفيا و200 عرض تفاعلي بسبع لغات عالمية، ترافق الزائر في رحلة عبر حياة النبي محمد ﷺ، من مكة إلى المدينة، ومن الدعوة إلى الرحمة، في عرضٍ يزاوج بين التقنية والروحانية.
يقول أحد الزوار من إندونيسيا وهو يتأمل مجسّم الحجرة الشريفة "لم أشعر أنني في متحف، بل في رحلة زمنية تعيدني إلى عهد النبوة، حيث تتجسد القيم في الصورة والصوت والنور".
وفي مكة، يقدّم المتحف تجربة بانورامية بعنوان “النبي ﷺ وكأنك معه في مكة”، حيث تتداخل المشاهد الرقمية مع الإضاءة والمؤثرات الصوتية لتروي تفاصيل الدعوة الأولى، ومواقف النبي في مواجهة التحديات، بأسلوب يلامس وجدان الزائر ويعزز ارتباطه بالمكان الذي انطلقت منه الرسالة.
وتقول المرشدة أسماء الحربي، وهي تشرح للزوار تفاصيل جناح الأنبياء، "هدفنا أن يعيش الزائر السيرة لا أن يقرأها فقط. كل جناح هنا يحكي قصة إنسانية قبل أن يكون درسا تاريخيا".
وفي المدينة المنورة، على ساحات المسجد النبوي من جهة أبواب السلام والرحمة، يستقبل المتحف الدولي للسيرة النبوية والحضارة الإسلامية آلاف الحجاج يوميا، مقدّما عرضا تفاعليا يربط بين التاريخ والواقع. يضم المتحف 25 جناحا تفاعليًا للتعريف بأسماء الله الحسنى وصفاته، واستعراض رسالة الإسلام في التسامح والرحمة، إلى جانب عروض مرئية توثّق السيرة النبوية بأساليب رقمية متقدمة، تجسّد الجوانب الاجتماعية والثقافية والعمرانية للمدينة خلال عهد النبوة.
ويقول الخبير التقني عبدالرحمن الزهراني، أحد المشرفين على العروض الرقمية، "نحن لا نعرض التاريخ فقط، بل نعيد بناءه بصريًا ليصبح تجربة يعيشها الزائر بكل حواسه".
ويهدف المتحف، الذي يمتد بفروعه إلى الرباط وداكار ونواكشوط، إلى إبراز رسالة الإسلام بوصفه دين الرحمة والوسطية، وتقديم السيرة النبوية في قالب حضاري معاصر. وإضافة إلى الجانب الديني، يتناول أيضا القيم الإنسانية التي شكّلت جوهر الحضارة الإسلامية: العدل، التسامح، والعناية بالإنسان والبيئة.
ويقول أحد المشرفين على المشروع، عبدالله العيسى، "نحن نستخدم التقنية لتقريب المعنى، لا لإبهار العين فقط. الهدف أن يخرج الزائر وهو يشعر أن السيرة النبوية جزء من حياته اليومية".
وفي أروقة المتحف، تتجاور الشاشات الرقمية مع المجسّمات الأثرية، لتخلق توازنا بين الأصالة والحداثة. فالعرض البانورامي للحجرة الشريفة، وجناح “النبي كأنك تراه”، ومشاهد توسعة المسجد النبوي، كلها تُقدَّم بأسلوب فني يدمج الصورة بالمعنى، ويحوّل المعرفة إلى تجربة وجدانية.
ويقول أحد الحجاج من نيجيريا بعد جولته في المتحف، "رأيت الإسلام كما لم أره من قبل، ليس في الكتب، بل في الضوء واللون والرحمة".
ويشكّل المتحف امتدادًا لرؤية المملكة في تعزيز الثقافة الإسلامية وخدمة ضيوف الرحمن، من خلال الجمع بين العمارة الحديثة والمحتوى العلمي الموثّق. فالمتحف لا يكتفي بعرض السيرة، بل يقدّمها كمنظومة قيمية تربط الماضي بالحاضر، وتُظهر الإسلام في صورته الحقيقية كدين إنساني عالمي.
ويتوقف الزوار عند متجر الإصدارات العلمية والهدايا التذكارية، حيث تُعرض مؤلفات وبحوث محكّمة في السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، لتكون امتدادًا معرفيًا لتجربتهم الروحية.