الحرب المقبلة في القرن الأفريقي
بعض الكتابات تكمن أهميتها في القدرة على استشراف التطورات للتحذير من العواقب، والانتباه لما هو آت ويؤثر على توازنات كثيرة ومعرفة الحالة التي يمكن أن يبدو عليها جزء مهم من العالم.
ومنطقة القرن الأفريقي ليست كتلة جغرافية نائية، لكنها تهم دول عديدة لما تحويه من معادن نفيسة ومصادر متعددة للثروات الطبيعة.
يضفي اقتراب هذه المنطقة من بعض الممرات البحرية الرئيسية في خضم وجود صراعات داخلية وخلافات حدودية ونزاعات إقليمية، اهتماما خاصا بها، ويدفع قوى رئيسية إلى زيادة التركيز الأمني عليها، والالتفات إلى المخاطر والتهديدات التي تحيط بها في ظل بركان كامن من الحروب الأهلية والبينية، ورغبات حثيثة من جانب دوائر إقليمية ودولية للسيطرة على مفاصل الحل والعقد فيها.
من السهل الربط بين ما حدث في مضيق هرمز بمنطقة الخليج العربي، وبين ما يمكن أن تشهده المنطقة المجاورة لكل من خليج عدن ومضيق باب المندب عند مدخل البحر الأحمر.
العنصر المشترك يكمن في إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ومخاوف قوى دولية من تأميم الممرات الملاحية لصالح جهة أو جهات معينة. لم يكن الربط بينهما خافيا في الفترة الماضية. أكثر من مرة لوّحت طهران بحث حليفتها جماعة الحوثي في اليمن على تعطيل الملاحة في البحر الأحمر.
إذا عرفنا أن الحرب الإيرانية وتداعياتها فتحت الباب للحديث بإلحاح عن أمن مضيق هرمز، لن يكون من المستبعد نشوب حرب في منطقة القرن الأفريقي القريبة من خليج عدن ومضيق باب المندب، لتأمينهما من التهديدات الراهنة والمتوقعة. البيئة الجغرافية ليست بحاجة لاختلاق ذرائع أو البحث عن أدوات عسكرية لتصعيد الموقف.
الصومال الكتلة الكبيرة الحرجة في هذه المنطقة، تعتمل فيه حرب أهلية طويلة، يضاف إليها طموحات إقليم أرض الصومال في الانفصال وتحركات تخدم هذا الهدف، بما أزعج الحكومة المركزية في مقديشو وحكومات أخرى في القارة.
إثيوبيا الساعية للحصول على منذ بحري، تتبنى سياسات استفزازية للوصول إلى هذا الهدف، وسط أوضاع داخلية متقلبة، وأقاليم متمردة، وتطلعات ضخمة على حساب الجيران.
توشك إريتريا بأوضاعها الداخلية المتذبذبة أن تنخرط في صراع مباشر مع إثيوبيا، احتجاجا على تصريحات خرجت من أديس أبابا بالعودة للسيطرة على ميناء عصب الإريتري، أو ردا على اتهامات متصاعدة طالتها بالتحالف مع إقليم تيغراي ومده بأسلحة تمكنه من الانفصال عن إثيوبيا علاوة على المصفوفة الجديدة التي تشكلها أسمرة مع عواصم أفريقية لمواجهة أي غدر يأتي من أديس أبابا.
ما يحدث في السودان ليس ببعيد عن القرن الأفريقي. الحرب الدائرة بين قوات الجيش والدعم السريع، لم تعد حربا داخلية عقب اتهامات طالت قوى إقليمية بمساندة الطرفين المتحاربين. نتائجها لن تنحصر في السودان الذي يطل على شريان مائي حيوي، وله شواطيء طويلة في منتصف البحر الأحمر، كأحد الركائز الحيوية في النقل، وتمر منه حصة كبيرة من سلاسل الامدادات العالمية، ويمكنه الوصل والفصل بين قارات أفريقيا وآسيا وأوروبا، حسب درجات الهدوء والتصعيد فيه.
جيبوتي من الدول التي تبدو محايدة في منطقة القرن الأفريقي، لكن تحولها إلى ملتقى لعدد من القواعد العسكرية لدول عدة، بقدر ما جعلها بؤرة للتوافق، يمكن أن يجعلها بؤرة للخلاف. وبحكم موقعها الجغرافي عند مدخل مضيق باب المندب من جهة الغرب، في مواجهة اليمن من جهة الشرق، من السهل انزلاقها لمعادلة الممرات البحرية، وصراعات القرن الأفريقي.
من يبسط سيطرته على جيبوتي أو من يملك موطئ قدم فيها سيكون مؤثرا في تطورات المنطقة ويجرها إلى الناحية التي يريدها.
ما يرجح الكلام عن الحرب المقبلة في القرن الأفريقي أن هذه المنطقة تحولت إلى ساحة لنشاط جماعات إرهابية عابرة للحدود. حركة الشباب المتطرفة النشطة في الصومال تسعى إلى تكوين شبكة من التحالفات تشمل غالبية دول القرن الأفريقي. زادت خطورتها مع تصاعد انتشار جماعات متفرقة تابعة لتنظيمي القاعدة وداعش، ينشطان بقوة في منطقة الساحل الغربي الأفريقي. يعمل كلاهما على التمركز في منتصف القارة، والتوسع شرقا وغربا، شمال وجنوبا.
تشكيل كتلة متلاحمة من اللهب يصعب اطفاؤها لاحقا سوف تصبح فيها منطقة القرن الأفريقي مغرية للإرهابيين بسبب موقعها الجغرافي وتعدد الولاءات وتشابك التدخلات الإقليمية والدولية.
يستند سيناريو الحرب المنتظرة في القرن الأفريقي على أربعة عوامل رئيسية:
الأول: سعى قوى كبرى إلى فرض سيطرة على الممرات الدولية، ومنع تكرار تجربة إيران في الهيمنة على مضيق هرمز والتوجه نحو فرض رسوم مالية على السفن التي تمر من خلاله.
اليوم هرمز وغدا باب المندب وبعد غد مضيق ملقا. تتجاوز المشكلة زيادة التكلفة المادية إلى الاستراتيجية. ربما تفقد الولايات المتحدة أحد أهم أدواتها بعد الحرب العالمية الثانية المتعلقة بوصايتها على الممرات الدولية ولتتحاشى هذا السيناريو يمكن لواشنطن خلط الأوراق وإعادة ترتيبها بصورة تحافظ على مصالحها.
الثاني: إصرار إسرائيل على تطوير علاقتها مع إقليم أرض الصومال. بعد الاعتراف باستقلاله وتعيين سفير في العاصمة هيرجيسا وزيارة رئيس الإقليم لإسرائيل والإعلان عن افتتاح سفارة في القدس أخيرا، تتجه تل أبيب إلى تسريع وتيرة تطبيع العلاقات السياسية معها، ظهر ذلك في زيارة قام بها وزير الخارجية جدعون ساعر لهيرجيسا مؤخرا، تمهيدا لتوسيع نطاق العلاقات الأمنية، والحديث عن إنشاء قاعدة عسكرية أميركية- إسرائيلية هناك.
قد تؤدي هذه الخطوات إلى إثارة غضب قوى عدة، ترفض التحولات الجديدة في منطقة القرن الأفريقي، بحجة أنها تخلق نوعا من السباق العسكري للتواجد فيه، بما يفجر التناقضات الكامنة داخله.
الثالث: شعور رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بخيبة أمل من نتائج الحرب الإيرانية، يمكن أن يدفعه إلى ممارسة هوايته في الهروب من الحرب إلى الحرب. بعد أن استنفد جزءا كبيرا من أهدافه في قطاع غزة وسوريا ولبنان وإيران، سيجد في منطقة القرن الأفريقي فرصة سانحة لاشعال معركة، تتوافر لها عوامل تغذيتها. هناك جماعة الحوثي في اليمن المتحالفة مع إيران، ووضع مضيق باب المندب المرتبك عالميا، وإقليم أرض الصومال الحليف الواعد لإسرائيل، والفوضى التي تخيم على القرن الأفريقي وما تحمله في طياتها من مخاطر إقليمية ودولية.
الرابع: تمسك إثيوبيا برغبتها في التحول من دولة حبيسة إلى مطلة على البحر الأحمر من خلال ميناء عصب الإريتري أو خليج عدن عبر ميناء بربرة في أرض الصومال، ما يشير إلى حدوث هزة في المنطقة.
ومع رفض التصورات الإثيوبية الخشنة قد يتحول الخلاف السياسي لصراع عسكري. ولعل التصعيد المتبادل بين أديس أبابا وكل من مقديشو وأسمرة والقاهرة، يكشف جانبا من شكل الخريطة الصراعية في القرن الأفريقي التي يمكن بزوغها بسبب المنفذ البحري.