النزيف المالي للحروب الاسرائيلة يهدّد الاستقرار الاجتماعي

مؤسسة التأمين الوطني العمود الفقري لشبكة الحماية الاجتماعية في البلاد ستصبح عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها القانونية ابتداء من عام 2029.

القدس – أدى اتساع نطاق المواجهات العسكرية الإسرائيلية على أكثر من جبهة، ولا سيما الحرب مع إيران والعمليات المستمرة في لبنان، إلى فرض ضغوط غير مسبوقة على المالية العامة الإسرائيلية، ما دفع عجز الموازنة إلى مستويات قياسية، تحذر مؤسسات إسرائيلية بأنها ستؤثر على الاستقرار الاجتماعي.
فقد اضطرت الحكومة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي بصورة كبيرة لتغطية تكاليف العمليات الجوية، وتعويض مخزون الذخائر والصواريخ الاعتراضية، وتمويل استدعاء عشرات آلاف جنود الاحتياط، إضافة إلى نفقات حماية الجبهة الداخلية وإصلاح الأضرار الناجمة عن الهجمات الصاروخية.
 وتشير تقديرات رسمية إلى أن ميزانية الدفاع ارتفعت بعشرات المليارات من الشواكل خلال عام 2026 (الدولار الأميركي =2.9 شيكل)، بينما رفعت الحكومة سقف العجز المالي لمواجهة الأعباء الطارئة.

وبحسب موقع واللا الإسرائيلي، كشفت وثيقة الميزانية الإسرائيلية المحدثة للأعوام 2027-2029 عن أزمة مالية واجتماعية غير مسبوقة قد تواجه إسرائيل خلال السنوات القليلة المقبلة. فقد حذرت وزارة المالية من أن مؤسسة التأمين الوطني، التي تشكل العمود الفقري لشبكة الحماية الاجتماعية في البلاد، ستصبح عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها القانونية ابتداء من عام 2029.

ويكتسب هذا التحذير أهمية استثنائية لأنه لا يتعلق بمؤسسة مالية عادية، بل بالجهة المسؤولة عن دفع مخصصات التقاعد والبطالة والإعاقة ورعاية كبار السن وتعويضات المصابين والأسر المحتاجة، ما يعني أن أي انهيار في قدرتها المالية قد ينعكس مباشرة على ملايين الإسرائيليين الذين يعتمدون على مخصصاتها الشهرية.

وحذرت مؤسسات اقتصادية إسرائيلية من أن استمرار الإنفاق الدفاعي المرتفع قد يجبر الحكومة على تقليص الإنفاق على الخدمات المدنية والبنية التحتية أو اللجوء إلى مزيد من الاقتراض، ما يهدد بتفاقم العجز والدين العام خلال السنوات المقبلة.

وبحسب التقديرات الرسمية، دخلت المؤسسة بالفعل مرحلة العجز الجاري منذ عام 2024، فيما بلغ العجز نحو 6.4 مليارات شيكل خلال عام 2025. وحتى الآن تمكنت المؤسسة من تغطية الفجوة المالية من خلال الاحتياطيات المتراكمة خلال السنوات الماضية، إلا أن وزارة المالية تؤكد أن هذه الاحتياطيات لن تكون كافية بعد عام 2029، الأمر الذي قد يضع المؤسسة أمام واقع غير مسبوق يتمثل في عدم قدرتها على دفع جميع الاستحقاقات التي يكفلها القانون.

وتحمل هذه التقديرات أبعادا تتجاوز الجانب المالي البحت، إذ تعني عمليا احتمال تعرض منظومة الرفاه الاجتماعي الإسرائيلية لهزة عميقة. فالتأمين الوطني يمثل بالنسبة لمئات آلاف المتقاعدين وذوي الإعاقة والعاطلين عن العمل المصدر الأساسي أو الوحيد للدخل، وأي تقليص في المدفوعات قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات الفقر واتساع الفجوات الاجتماعية وزيادة الضغوط على الحكومة.

وترى وزارة المالية أن أسباب الأزمة تعود إلى مجموعة من العوامل المتراكمة، أبرزها التوسع الكبير في حجم المخصصات الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، وخاصة في قطاعي الإعاقة والرعاية الطويلة الأمد. وتشير البيانات إلى أن نفقات مخصصات الأطفال ذوي الإعاقة ارتفعت بمعدل سنوي يقارب 30 بالمئة منذ عام 2022، بالتوازي مع الزيادة الكبيرة في التعويضات المرتبطة بالحروب والعمليات العسكرية.

وتربط الوزارة الأزمة بالتحولات الديموغرافية التي تشهدها إسرائيل، حيث يرتفع عدد المستفيدين من مخصصات الضمان الاجتماعي بوتيرة أسرع من وتيرة نمو الإيرادات، الأمر الذي يزيد الضغوط على الصندوق عاما بعد عام.

وتلفت الوثيقة إلى ما تصفه بـ"الاختلال البنيوي" في نظام التحصيل، إذ يدفع العامل الذي يتقاضى متوسط الأجر في إسرائيل نحو 5880 شيكلا سنويا كاشتراكات للتأمين الوطني، بينما يدفع غير العامل 1716 شيكلا فقط، في حين لا يدفع بعض المستفيدين من التخفيضات سوى 576 شيكلا سنويا. ورغم هذا التفاوت الكبير، فإن استحقاق الحصول على المزايا الاجتماعية لا يرتبط بحجم المساهمات المدفوعة.

وتحذر وزارة المالية من أن استمرار هذا الواقع سيجعل الانهيار المالي مسألة وقت فقط، ما يفرض على الحكومة الاختيار بين خيارات صعبة جميعها تحمل أثمانا سياسية واجتماعية واقتصادية مرتفعة. ويتمثل الخيار الأول في خفض النفقات والمخصصات الاجتماعية، وهو ما سيؤثر مباشرة على الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع. أما الخيار الثاني فيقوم على رفع اشتراكات التأمين الوطني والضرائب، بما يزيد الأعباء على العاملين وأصحاب الأعمال ويؤثر سلبا على سوق العمل والنمو الاقتصادي.

ويرى خبراء اقتصاديون أن خطورة أزمة التأمين الوطني لا تكمن فقط في احتمالات الإفلاس المالي، بل في تداعياتها على العقد الاجتماعي داخل إسرائيل. فالمؤسسة تمثل إحدى أهم ركائز الاستقرار الداخلي، وأي مساس بقدرتها على دفع المخصصات قد يؤدي إلى احتجاجات واسعة، وتآكل الثقة بالمؤسسات الحكومية، وتصاعد التوترات بين الفئات الاجتماعية المختلفة.