الحكومة اللبنانية تكلّف الجيش بوضع خطة لحصر السلاح
بيروت - كلّفت الحكومة اللبنانية اليوم الثلاثاء الجيش بوضع خطة تطبيقية لحصر السلاح قبل نهاية العام الحالي بيد القوى الشرعية، على أن يتم عرضها على مجلس الوزراء قبل نهاية الشهر الحالي، فيما جدد نعيم قاسم الأمين العام لحزب الله رفضه لأي جدول زمني لسحب سلاح الجماعة المدعومة من إيران، ما يكشف حجم التحديات التي تواجهها الحكومة اللبنانية لحسم أحد أبرز الملفات الشائكة.
وحذر الحزب في وقت سابق من احتمالية تحويل المشكلة اللبنانية الإسرائيلية إلى أزمة داخلية ودعا إلى الاحتياط من هذا السيناريو وقال العضو البرلمان اللبناني عن الجماعة علي فياض، في مؤتمر صحفي عقب لقائه رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل، إن "تماسك الموقف اللبناني تجاه إلزام إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية ووقف اعتداءاتها وتحرير الأسرى هو بمثابة مدخل لاستراتيجية الخروج من الوضع الصعب الذي يمر به البلد"، منبهاً من أن "المخاطر المحدقة لا تختص بمكوّن واحد دون الآخر أو منطقة دون الأخرى".
وأكد صعوبة الظرف الذي يمر به البلد، مشدداً على عدم قبول لبنان بالتفريط بمصالحه، داعيا إلى "اتخاذ موقف رسمي متماسك واحد تجاه أولوية الانسحاب الإسرائيلي وتحرير الأسرى ووقف الأعمال العدائية خاصة أن البلد الآن عرضة لمخاطر سيادية إستراتيجية كبرى، وحتى وجودية".
وقال الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم في وقت لاحق من اليوم الثلاثاء إن الجماعة لن توافق على أي جدول زمني لتسليم سلاحها مع استمرار "العداون الإسرائيلي" على لبنان.
وفي كلمة ألقاها عبر الشاشة خلال حفل تأبين نظمه الحزب لقيادي إيراني، طالب قاسم الدولة بأن "تضع خططا لمواجهة الضغط والتهديد وتأمين الحماية لا أن تجرّد مقاومتها من قدرتها وقوتها".
وقرر مجلس الوزراء "استكمال النقاش في الورقة التي تقدم بها الجانب الأميركي الى يوم الخميس"، في إشارة إلى مذكرة حملها المبعوث الأميركي توم باراك الى لبنان وتتضمّن جدولا زمنيا لنزع سلاح حزب الله.
وأوضح وزير الإعلام بول مرقص بعد ذلك أن الوزيرين ركان ناصر الدين وتمارا الزين المحسوبين على حزب الله وحليفته حركة أمل، "انسحبا من الجلسة لعدم موافقتهما على قرار مجلس الوزراء" الذي تلاه نواف سلام رئيس الحكومة.
واعتبر النائب ميشال دويهي في تغريدة على حسابه بمنصة إكس قبل انطلاق الجلسة أن "جلسة مجلس الوزراء المرتقبة اليوم (الثلاثاء) ليست جلسة عادية بأي مقياس، ولا يجوز التساهل في توصيفها أو التهوين من وقعها. إنها امتحان تاريخي مصيري يتجاوز السياسة كما نعرفها، ويعلو فوق منطق التشاطر والالتفاف الذي طبع الحياة السياسية اللبنانية منذ عقود".
في حين قالت النائبة عن حزب القوات، ستريدا جعجع في تغريدة على منصة إكس "اليوم مجلس الوزراء يضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات ويتخذ القرارات اللازمة لتطبيقها، لا سيما في مجال الأمن والدفاع الوطني..".
ووفقا لوسائل إعلام محلية، لم تهدأ الاتصالات بين الرئاسات الثلاث، أي رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان، وشملت أيضا قنوات تواصل مباشرة مع حزب الله، بهدف التوصل إلى صيغة القرار الذي ستتخذه الحكومة بشأن ملف سلاح حزب الله وتسليمه إلى الجيش اللبناني، عملا بمعادلة حصر السلاح بيد الدولة.
وتكثفت الاتصالات حتى اللحظات الأخيرة التي سبقت دخول الوزراء إلى الجلسة، لا سيما أن حزب الله ربط قراره بالمشاركة فيها بمعرفة مسبقة لما سينتج عنها أو ستقرره. وقد استند في ذلك إلى دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يعلم جدا دقة الوضع، وخطورته وحساسيته، لا سيما أنه يسعى إلى صيغة تكون ملائمة لمختلف القوى.
وأكدت مصادر وزارية في وقت سابق أن الرؤساء الثلاثة، جوزيف عون ونواف سلام ونبيه بري، توصلوا إلى توافق مبدئي على خطتين واضحتين: الأولى، إقرار مبدأ حصر السلاح بيد الدولة وتطبيقه على جميع القوى غير الشرعية دون استثناء، والثانية تحديد مهلة زمنية نهائية للتنفيذ تنتهي في 31 ديسمبر 2025، ما يتيح تنفيذ الخطة على مراحل دون تصعيد مباشر.
وبحسب وسائل إعلام لبنانية، حاول ثنائي حزب الله وحركة أمل الالتفاف على مناقشة بند السلاح عبر المطالبة بشطبه نهائيا أو تأجيله إلى نهاية الجلسة، لكن هذه المحاولات فشلت، حيث تمسكت قوى وازنة داخل الحكومة، بينها وزراء القوات اللبنانية، بطرح البند على التصويت إذا تعذر التوافق على جدول زمني لتطبيق القرار.
وأثيرت تساؤلات حول موقف الوزراء الشيعة، وما إذا كانوا سيشاركون في الجلسة أو يقاطعونها، خصوصا مع تأكد غياب وزيرين لوجودهما خارج البلاد.
وفي هذا السياق، أكد نبيه بري تأييده لمشاركة الوزراء الشيعة في الجلسة وعدم مقاطعتها، مشددا على حرصه على العمل لكل ما يخدم لبنان ويحافظ على أمنه.
وكان وزير العدل عادل نصار أشار إلى أن جلسة اليوم الثلاثاء تواجه عدة سيناريوهات، من بينها إتاحة مزيد من النقاش وتأجيل البت في بند السلاح إلى جلسة تعقد الخميس المقبل، لافتا إلى أنه سيطالب بجدول زمني لتسليم سلاح حزب الله.
وقال نصار "نتمنى أن تستيقظ ضمائر المسؤولين في حزب الله لتسليم السلاح والذهاب معا لبناء الدولة، لكن إذا أصر الحزب على إبقائه فمن غير المقبول أن يأخذ الشعب اللبناني معه إلى الانتحار".
وتأتي هذه الجلسة في ظل أجواء سياسية وأمنية متوترة، فقد شهدت بيروت وعدد من المناطق اللبنانية مسيرات على دراجات نارية نفذها مؤيدون لحزب الله، في رسالة تهديد ووعيد، بحسب تفسير العديد من السياسيين والإعلاميين.
في هذا السياق، حذّر الصحافي طوني بولس من استعداد حزب الله لعمل أمني خطير قبيل انعقاد جلسة مجلس الوزراء المرتقبة لإقرار آلية وجدول زمني لنزع السلاح. وقال في تغريدة عبر حسابه على منصة إكس "هناك معلومات عن وجود شاحنات محملة بالأتربة تستعد لقطع طرقات بالتزامن مع مسيرات لدرجات نارية وإطلاق شعارات طائفية".
من جهته، اعتبر السياسي والنائب السابق فارس سعيد أن التهويل الإعلامي يهدف إلى تأجيل جلسة مجلس الوزراء المخصصّة للبتّ في موضوع السلاح".
أما النائب نديم الجميل، فقال تعليقا على مسيرات أنصار حزب الله "على الأجهزة الأمنيّة تحمّل مسؤوليّاتها فورا، ولتكن واضحة المعادلة للجميع: إن لم تتصرّف الأجهزة الأمنية لردع محاولات التهديد والوعيد هذه، فالشارع سيقابله شارع، ولن يبقى أحد متفرّجًا!".
وتؤكد هذه التحركات والمواقف المتشنجة أن حزب الله لا يزال متمسكا بسلاحه، مشددا على أنه لن يتخلى عنه إلا بعد انسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني وتحديدا من النقاط الخمس التي لا تزال تحتلها.
وبغض النظر عن كل التفاصيل، يبقى لبنان في مواجهة استحقاق مفصلي، فالمسؤولون يعلمون أنه لا بد من الخروج بقرار واضح وبرنامج عمل محدد. لكن ما تؤكده التجارب السياسية التاريخية، أن أي اتفاق من هذا النوع يبقى بحاجة إلى اتفاق سياسي تنضج ظروفه داخليا وخارجيا، وهي ظروف لا تبدو متوفرة حاليا.
وكان حزب الله خاض العام الماضي مواجهات عنيفة مع إسرائيل، أدت إلى خسائر فادحة في صفوفه. قبل أن تنتهي الحرب باتفاق لوقف إطلاق النار بين الجانب اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية.
ونصّ الاتفاق على انسحاب الحزب من منطقة جنوب الليطاني (على مسافة حوالي 30 كيلومترا من الحدود) وتفكيك بناه العسكرية فيها، في مقابل تعزيز انتشار الجيش اللبناني وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان (يونيفيل).
كذلك، نصّ على انسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق تقدمت إليها خلال الحرب، لكن إسرائيل أبقت على وجودها في خمسة مرتفعات إستراتيجية، يطالبها لبنان بالانسحاب منها، مع استمرار استهدافها للحزب.