الحكومة.. مقدمات النجاح.. والفشل

يحتاج نجاح الحكومة واستمرارها إلى الخروج من دائرة الحسابات الجهوية وتغليب المصلحة الوطنية

أجمعت مصادر فلسطينية مختلفة على أن حكومة «الوفاق الوطني» الفلسطيني سترى النور قريبا، وأن الطريق إلى إعلان تشكيلها أصبح معبدا دون عقبات جدية.

هذا يعني أننا أمام خطوة «فارقة» عما تعوده المشهد الفلسطيني الداخلي منذ صيف العام 2006، بعد مرور ثمانية أعوام كان الانقسام وتداعياته سيد الموقف، وشهدت هذه الفترة محطات كثيرة من الاحتراب المسلح والإعلامي بين طرفي الانقسام فتح وحماس؛ انعكست سلبا على الوضع الفلسطيني الداخلي، وأدت مع تفاقمها إلى إلحاق الضرر بالقضية الفلسطينية، وساعدت الاحتلال على الانفلات في تنفيذ سياساته التوسعية وإجراءاته العدوانية.

وعلى الرغم من وجود ملاحظات جدية كثيرة على مقدمات تشكيل الحكومة وآلياته، إلا أن الحالة الفلسطينية تحتاج هذه الخطوة. في الوقت الذي يتساءل فيه كثيرون عما إذا كان هذا التشكيل بداية النهاية العملية لواقع الانقسام، أم أنه سيكون مجرد تعبير «مرحلي» عن مساحة «التفاهم» التي استجدت بين حركتي فتح وحماس تحت وطأة الاستعصاءات الناشئة أمامها على جبهات متعددة؟

منذ أن وقع الانقسام وتفاقمت تجلياته تصاعدت الدعوات الوطنية المخلصة إلى ضرورة إنهائه واستعادة الوحدة عبر آليات استندت في جوهرها إلى إطلاق حوار وطني شامل يبحث سبل حل الأزمة الفلسطينية التي جاء الانقسام ليعبر عن تفاقمها ووصولها إلى الانفجار.

وعلى اعتبار أن الأزمة (الأزمات) الفلسطينية مركبة ومتعددة الجوانب، خلصت الحوارات الفلسطينية في محطات عدة إلى حلول تسعى لحل الأزمة استنادا إلى بلورة برنامج سياسي وتنظيمي موحدة يكفل الوصول إلى حلول ناجعة وناجزة لهذه الأزمة، ويضمن القطع الفعلي مع الانقسام سياسة وفكرا ويفتح الطريق أمام العمل الوطني الفلسطيني عبر إعادة الاعتبار للبرنامج التحرري الفلسطيني بعناوينه المختلفة.

من هذه الزاوية، كان الحديث عن ضرورة تشكيل حكومة وفاق وطني يأتي في سياق رزمة متكاملة من الإجراءات والقرارات السياسية والتنظيمية والاقتصادية التي نصت عليها إعلانات واتفاقات خرجت بها الحوارات الفلسطينية، وعلى نحو خاص «إعلان القاهرة» (2005) و«اتفاق المصالحة» (أيار/ مايو ـ 2011).

ومنذ التوصل إلى «وثيقة الوفاق الوطني» (2006)، كانت المشكلة الأساسية أمام إنجاز حل الأزمة الفلسطينية تكمن في الخروج عن آليات الحوار الشامل، والنزوع نحو حلول ثنائية من بين حركتي فتح وحماس من خلال صفقات تقوم على المحاصصة، لم تؤد عمليا سوى إلى تفاقم الأزمة وتعميق الانقسام ومن بين «اتفاق مكة»(2008) و«اتفاق صنعاء» (2009) سبب فشل الصفقات تلك أنها قامت على حسابات خاصة لكل من الحركتين، ووفق تقديرات موازيين قوى متحركة، تدفع بكل طرف منهما إلى قلب الطاولة عندما يستشعر بأن هناك من المستجدات الداخلية أو المحيطة ما يرشحه لتحسين شروطه في هذه الصفقات.

ضرورة هذا الحديث تكمن في أن الحالة الفلسطينية تواجه تحديات كبرى تهدد مستقبل القضية الوطنية برمتها في ظل ضغوط متزايدة تسعى لحصر البحث في سبل حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في إطار عملية تسوية وفق شروط تنحاز للسياسة التوسعية للاحتلال الإسرائيلي، ولا تستجيب للحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية.

كما يعيش النظام السياسي الفلسطيني أزمة عميقة في ظل غياب المؤسسات الوطنية عن دورها الفاعل ـ وخاصة المجلس الوطني الفلسطيني ـ الذي يحتاج إعادة انتخابه، والأمر ذاته ينسحب على المؤسسات الأخرى في السلطة ومنظمة التحرير عبر عملية ديمقراطية شاملة ومتكاملة ومتزامنة وفق قانون انتخابات عصري وديمقراطي يعبر عنه تماما قانون التمثيل النسبي الكامل.

لذلك، فإن صمود الحالة الفلسطينية في مواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية يتطلب في الجوهر إجراء إصلاح ديمقراطي شامل في النظام السياسي الفلسطيني، والشروع في هذه العملية ينبغي أن يترافق مع سياسة اقتصادية ـ اجتماعية تهدف إلى تعزيز صمود المجتمع الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الذي يصعد من حملات الاستيطان والتهويد في محاولة لقطع الطريق عن أية إمكانية لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة على كامل الأراضي الفلسطينية التي احتلت في العام 1967 وعاصمتها القدس.

جميع هذه التحديات (وغيرها الكثير) تحتاج إلى أبعد وأعمق وأوسع من اتفاقات ثنائية بين حركتي فتح وحماس. لأن الحديث هنا يجري عن معركة وطنية سياسية وشعبية في مواجهة الاحتلال؛ بما يتطلبه ذلك من تعبئة الطاقات الفلسطينية المتاحة وتعزيزها؛ وهذا يعني في الأساس استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية على أسس ديمقراطية تبطل مفعول الألغام التي لا تزال كامنة في الطريق إلى تحقيق هذه الوحدة.

ثمة ملفات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية تحتاج إلى بحث واتفاق استنادا إلى قرارات الحوارات الوطنية السابقة، وثمة خطط مستقبلية تحتاج إلى استنهاض القدرات الوطنية لتنفيذها، من بينها استكمال الانفتاح على الأمم المتحدة ومؤسساتها، وتعزيز المقاومة الشعبية وحمايتها.

وحتى لا يبدو الأمر وكأنه بمثابة وضع العصي في دواليب الحكومة المفترض إعلانها قريبا، نؤكد أن إيجابية تشكيل هذه الحكومة وبدء عملها يرتبط ارتباطا وثيقا بأدائها إلى جانب المؤسسات الوطنية الأخرى بما يحقق تعزيز قدرة الحالة الفلسطينية على مواجهة التحديات الكبرى القائمة.

إن ذلك من الممكن أن يتحقق في حال جاء تشكيل الحكومة وعملها في سياق تنفيذ قرارات الحوارات الوطنية الشاملة، باتجاه استعادة الوحدة، بما يفي استكمال هذه العملية على الأصعدة كافة.

بالمقابل، فإن فشل هذه الحكومة، أو انفجار أية ألغام لم يبطل مفعولها، سيؤدي إلى عواقب سلبية وخيمة على مستقبل الجهود المبذولة لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة.

كما أن فشلها (وهذا ما لا نريده) سيدفع بكثير الأطراف التي ناصبت «اتفاق الشاطئ» العداء ومن بينها الاحتلال الإسرائيلي على تصعيد ضغوطه مع فشل هذه التجربة، والعودة إلى الاستفراد بالحالة الفلسطينية، وتكرار معزوفة عدم قدرة المفاوض الفلسطيني ومرجعيته السياسية على ممارسة أية ولاية سياسية وإدارية على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة، في حال عاد الاحتراب بين طرفي الصراع إلى سابق عهده المشؤوم.

وبرأينا، يتطلب نجاح هذه الحكومة واستمرارها الخروج من دائرة الحسابات المصلحية الجهوية، باتجاه المصلحة الوطنية الفلسطينية العليا، وإعادة الاعتبار لمبدأ الشراكة الوطنية في ما بين المكونات السياسية والاجتماعية الفلسطينية؛ هذا الأقل ما تتطلبه المهام الملقاة على عاتق الحركة الوطنية، كحركة تحرر في مواجهة احتلال استعماري استيطاني يسعى إلى شطب حقوق الشعب الفلسطيني، وحل الصراع القائم بما يحقق أهدافه التوسعية.

وحتى لا تتدفق الخطوات المطلوبة في استعادة الوحدة عند عتبة تشكيل هذه الحكومة وترسيمها في المشهد السياسي الفلسطيني، ربما من الضروري التأكيد على أهمية إجراء الانتخابات الفلسطينية العامة في السلطة ومنظمة التحرير، وعدم تجاهلها تحت حجج مختلفة، لأن الظروف التي سمحت بإجراء الانتخابات، (في مؤسسات السلطة الفلسطينية قبل أعوام) (مثلا لا حصرا) لا تزال تسمح باعادتها في المدى القريب المنظور.

مقدمات نجاح الحكومة منظورة.. وعوامل فشلها قائمة... وتغليب أحد الاتجاهين مرهون بالإدارة السياسية ربطا بالمصلحة الوطنية واحترام الشراكة السياسية، وقرارات الحوارات الوطنية الشاملة.