الدبلوماسية العارية.. كيف حوّل قصف الخليج اتفاق إسلام آباد من صك سلام إلى وثيقة ابتزاز؟
لم يكد الحبر الذي كُتب به اتفاق إسلام آباد (مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو 2026) يجف، حتى عادت أصوات الانفجارات لتهز مياه الخليج العربي وأجواء الساحل الإيراني معلنة تعري الدبلوماسية من أوهامها. إن الهجمات المتبادلة الأخيرة بين واشنطن وطهران لا يمكن قراءتها كخرق عابر، بل نحن أمام مواجهة بنيوية مبكرة ومحاولة لتعديل شروط اللعبة بالذخيرة الحية تحت سقف هدنة الـ60 يوماً.
إن الانتقال الفوري من أروقة الدبلوماسية إلى تبادل القصف الصاروخي يثبت أن الاتفاق لم يكن صك سلام حقيقي بل تحول سريعاً إلى وثيقة ابتزاز استراتيجي متبادل يمارسه الطرفان على حافة الهاوية.
من حرك الخرق ومن المستفيد الحقيقي؟
الخرق الذي شهده مضيق هرمز واستهداف الملاحة ليس وليد الصدفة، بل تقف وراءه شبكة مصالح داخلية وخارجية معقدة سعت لتفخيخ الاتفاق فور ولادته:
الطرف المنفذ وصاحب اليد المباشرة: (الجناح المتشدد في طهران)
يمثل الحرس الثوري المنفذ المباشر للخرق من خلال استهدافه السفينة M/V Ever Lovely التي ترفع علم سنغافورة وناقلات أخرى في 25 يونيو، ينظر الحرس الثوري للاتفاق الذي هندسته الحكومة المدنية برئاسة بزشكيان والمفاوض محمد باقر قاليباف كوثيقة استسلام تسلب منه ورقة الضغط الأقوى (مضيق هرمز) وتلزمه ببنود أمنية تفكك نفوذه الإقليمي، لذا حرك مسيراته لتعطيل خطة الممر الملاحي العماني البديل لفرض وصاية أمر واقع.
الأطراف الدولية والإقليمية المستفيدة من كسر الاتفاق:
إسرائيل ترى في هذا الاتفاق طوق نجاة للنظام الإيراني يمنحه فرصة لإعادة بناء اقتصاده وضخ 20 مليار دولار فورية دون تفكيك حقيقي لطموحه النووي، وبالتالي فإن تدمير الهدنة يحافظ على زخم الحصار العسكري ضد طهران.
روسيا والمحور الدولي يعتبران أن استمرار اشتعال جبهة الخليج يبقي أسعار الطاقة في مستويات قياسية تخدم الخزينة الروسية، فضلاً عن أن توريط إدارة ترامب في الشرق الأوسط يشتت انتباهها وإمكاناتها العسكرية بعيداً عن الجبهة الأوكرانية وعن التنافس المحتدم في المحيط الهادئ.
تأثيرات هذا الخرق من كل النواحي،
جاء هذا الخرق ليهز استقرار المعادلات السياسية والاقتصادية عبر تأثيرات مباشرة وشاملة:
التأثير الاقتصادي وسلاسل التوريد العالمي: شلل الممرات البديلة: أدى القصف الإيراني فوراً إلى تعليق المنظمة البحرية الدولية (IMO) وسلطنة عمان لخطة تسيير المسار الملاحي الآمن لإجلاء السفن العالقة.
قفزة الأسعار والتأمين.. ارتفعت كلفة التأمين ضد مخاطر الحرب على ناقلات النفط في الخليج إلى مستويات فلكية، أي استمرار لتجميد مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20في المئة من إمدادات الطاقة العالمية يهدد بدفع الأسواق نحو ركود تضخمي حاد تتأثر به أوروبا ودول شرق آسيا، اليابان وكوريا الجنوبية، المستورد الأكبر لنفط المنطقة.
التأثير السياسي والأمني على دول الخليج العربي
استهداف القواعد والضغط السياسي.. تعرضت المنشآت الأميركية في البحرين والكويت لقصف صاروخي بالمسيرات الإيرانية فجر اليوم الأحد (28 يونيو) مما يضع عواصم الخليج تحت ضغط أمني مباشر.
الرسالة العدائية الفاضحة.. تُرجم هذا القصف بالتحذير العلني المباشر الذي وجهه رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، إبراهيم عزيزي لدول الخليج حين قال: الاستعانة بمصادر خارجية لأمنكم جعلتكم أقل أماناً، وهي محاولة إيرانية مكشوفة لابتزاز دول الجوار ودفعها لمنع أميركا من استخدام القواعد العسكرية على أراضيها.
التأثير على الساحة العراقية وإقليم كردستان:
كبح الفصائل والمنطقة الخضراء.. ينعكس خرق هدنة الخليج فوراً على بغداد وأربيل، وسط مخاوف جادة من تحرك الفصائل المسلحة لضرب المصالح الأميركية أو إحداث توترات ميدانية داخل المنطقة الخضراء ومحيطها.
تحصين السيادة الاقتصادية والرقمية.. يفرض هذا الاستقطاب على الحكومة الاتحادية والإقليم تسريع حماية البنية التحتية والسيادة التقنية عبر مشاريع وطنية ريادية (مثل منصة ئى-بەسوولە)، لضمان أمن المعلومات وحياد الروابط اللوجستية، ومنع تحويل الساحة العراقية إلى صندوق بريد صاروخي بين واشنطن وطهران.
لغز الملحق اللبناني وترابط الجبهات..لا يمكن عزل تصعيد هرمز عن شرق المتوسط؛ إذ سرّبت وثائق الاتفاق بنوداً لنزع سلاح الفصائل اللبنانية وتحديداً حزب الله، وتسليم الجنوب للجيش اللبناني. هذا البند دفع النائب حسن فضل الله لإعلان الرفض القاطع والتلويح بـ"الحرب الأهلية"، بالتزامن مع سيطرة إسرائيل على نفق "علي الطاهر" الاستراتيجي في النبطية. بناءً عليه، فإن خنق الملاحة الدولية في هرمز هو ذراع ابتزاز إيراني استباقي لحماية أوراقها الإقليمية من التفكيك.
استشراف المسارات: ما هو السيناريو الأقرب ولماذا؟
تتأرجح الأزمة الحالية بين ثلاثة مسارات مستعرة:
السيناريو الأول: الانهيار الكامل والتدحرج نحو الحرب المفتوحة، إذا أدى القصف الإيراني لخسائر بشرية أميركية كبيرة مما يدفع ترامب لتنفيذ وعيده وتدمير العمق النفطي والنووي لإيران.
السيناريو الثاني: الدبلوماسية القسرية القاسية (التفاوض تحت النار) وهو السيناريو الأقرب الحتمي.
السيناريو الثالث: تدويل إدارة مضيق هرمز عبر قوات أممية (وهو مستبعد حالياً لصعوبة التوافق الدولي).
لماذا السيناريو الثاني (التفاوض تحت النار) هو الأقرب حتماً؟ لأن الطرفين يمارسان استراتيجية "عض الأصابع" دون رغبة في تدمير الطاولة، لسببين:
إيران تعاني إنهاكاً اقتصادياً وعسكرياً، وتكافح لالتقاط الأنفاس بعد تراجع جبهات حلفائها في لبنان وسوريا، وهي بحاجة مصيرية وعاجلة للـ 20 مليار دولار المجمدة لتفادي انفجار داخلها المحتقن.
إدارة ترامب تكتفي بضربات جراحية (كقصف جزيرة قشم) لترسيم "أمن الملاحة كخط أحمر"، وتتجنب الانزلاق لحرب مفتوحة قد تُفجر أسعار النفط وتضرب أسواق الأسهم والبرنامج الاقتصادي الأميركي.
بناءً عليه، فإن قصف الحرس الثوري ورد 'سنتكوم' هما رسائل سياسية مكتوبة بالنار لتحسين شروط التفاوض وتعديل ميزان الردع، تمهيداً لوساطة باكستانية - قطرية مرتقبة تصيغ ملحقاً أمنياً يضبط المضيق دون إسقاط الاتفاق الكلي.
في المحصلة، يثبت المشهد الراهن أن الانتقال من عقود الصراع إلى السلام في الشرق الأوسط ليس نزهة دبلوماسية، بل هو عملية قيصرية معقدة تُدار على حافة الهاوية. إن اتفاق إسلام آباد لم يكن حلاً سحرياً، بل كان مجرد مهدّأ مؤقت لأزمة هيكلية عميقة.
ومستقبل الاستقرار الدولي والإقليمي لن تحدده نصوص المعاهدات الموقعة في العواصم، بل سيتحدد بدقة عبر مدى قدرة واشنطن وطهران على استيعاب وجع الضربات المتبادلة والالتزام بالخطوط الحمراء دون الانزلاق إلى حماقة الحرب الكبرى. العالم يحبس أنفاسه الآن، ليس خوفاً من اندلاع الحرب، بل ترقباً لمدى قدرة العقل الاستراتيجي على كبح جماح جنون الميدان وإعادة قادة الحرب إلى طاولة السياسة.