الدراما العراقية تبحث عن جمهور خارج حدود اللهجة

'انكسار' يفتح نقاشًا اجتماعيًا و'أساور' يعكس تفاصيل إنسانية، و'بيت الطين' يستمر سنوات مؤكدًا نهضة المسلسلات العراقية.

بغداد ـ بدأت الدراما العراقية تستعيد عافيتها وتفرض حضورها داخل المشهد الثقافي المحلي، محققة نجاحات جماهيرية ملحوظة وتقديرًا نقديًا متزايدًا، بالمقابل ما زال انتشارها عربيًا محدودًا، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول الأسباب التي تحول دون وصول هذه الأعمال إلى جمهور أوسع، رغم ما تمتلكه من جودة فنية وعمق إنساني.

ويبرز عامل صعوبة فهم اللهجة العراقية لدى الجمهور العربي كأحد أبرز التحديات، إلى جانب إشكاليات التوزيع والتسويق وغياب الدعم المؤسسي.

وخلال موسم رمضان 2025، شهدت الدراما العراقية طفرة لافتة في نسب المشاهدة داخل العراق، حيث لاقت عدة أعمال استحسانًا جماهيريًا واسعًا، مؤكدة أن الجمهور المحلي متعطش لرؤية قصص تعكس حياته اليومية، وعاداته وتقاليده، وتطرح قضاياه الاجتماعية والإنسانية بجرأة وصدق.

هذه النجاحات منحت المنتجين والمخرجين ثقة أكبر للاستعداد لموسم 2026، مع توجه واضح نحو تقديم أعمال مستوحاة من قصص واقعية، وتوازن مدروس بين إشراك نجوم معروفين وإتاحة الفرصة لوجوه شابة جديدة، بما يضفي حيوية على المشهد الدرامي العراقي.

ويأتي مسلسل "انكسار" ليؤكد هذا التوجه، إذ يستند إلى قصة واقعية أثارت جدلًا واسعًا داخل المجتمع العراقي. العمل الذي يُنتظر عرضه في موسم 2026، يضم نخبة من الممثلين العراقيين تحت إشراف المخرج مراد ترك، المعروف بقدرته على تحويل النصوص الواقعية إلى مشاهد درامية مؤثرة.

مينا نور الدين تواجه ظروفا قاسية في 'أساور'
مينا نور الدين تواجه ظروفا قاسية في 'أساور'

ويُتوقع أن يثير المسلسل نقاشًا اجتماعيًا واسعًا حول القضايا التي يتناولها، وأن يشكّل محطة جديدة في مسار الدراما العراقية الساعية إلى تجاوز حدودها المحلية والانفتاح على الفضاء العربي.

إلى جانب "انكسار" برز مسلسل "أساور" كأحد أبرز الأعمال الدرامية العراقية في الموسم الرمضاني، جامعًا بين قوة النص الذي كتبه الفنان محمد قاسم، ورؤية الإخراج التي قدّمها يونس لطيف.

ويقدّم العمل قصة اجتماعية تقليدية في ظاهرها، لكنها مشحونة بتفاصيل إنسانية تعكس الواقع العراقي بكل ما يحمله من صراعات يومية وتحديات معيشية.
وتدور الأحداث حول شخصية بشرى، التي تجسّدها الفنانة مينا نور الدين، وهي فتاة تنتمي إلى أسرة تواجه ظروفًا اقتصادية واجتماعية قاسية، ومن خلالها يفتح المسلسل نافذة على معاناة كثير من العراقيين، مسلطًا الضوء على صمودهم وإرادتهم.

ويتناول "أساور" قضايا متعددة، من بينها الأوضاع الاقتصادية وتأثيرها على العلاقات الاجتماعية والأحلام الفردية، والهوية الوطنية المرتبطة بالبطولات اليومية البسيطة، إضافة إلى إبراز دور المرأة العراقية في مواجهة التحديات.

ويحرص العمل على الواقعية الاجتماعية، مبتعدًا عن المبالغات، ليكون مرآة حقيقية للمجتمع. وقد أكد مؤلفه محمد قاسم أن النص كُتب بروح إنسانية ليكون قريبًا من الجمهور، فيما شدد المخرج يونس لطيف على أهمية التفاصيل البصرية والإنسانية لتحقيق توازن بين الدراما الواقعية والجانب الفني.

أما مسلسل "بيت الطين"، فيمثّل حالة خاصة في تاريخ الدراما العراقية. فمنذ انطلاقه قبل سنوات، تحوّل إلى طقس اجتماعي راسخ في وجدان المشاهد العراقي، ومع الإعلان عن التحضير للجزء السادس، يعود ليؤكد ريادته كواحد من أضخم الإنتاجات الجماهيرية.
والعمل يوازن بين الحفاظ على هويته الشعبية الأصيلة وبين التجديد الذي يواكب متغيرات العصر. وقد أعلنت الفنانة القديرة فاطمة الربيعي مشاركتها في هذا الجزء بشخصية "فهيمة"، معربة في تصريح لوكالة الأنباء العراقية (واع) عن تفاؤلها بتفاعل الجمهور مع الشخصية كما حدث في الأجزاء السابقة.

سر استمرارية 'بيت الطين' يكمن في صدقه
سر استمرارية 'بيت الطين' يكمن في صدقه

 وترى الربيعي أن سر استمرارية "بيت الطين" يكمن في صدقه في عكس تفاصيل الحياة اليومية العراقية، وفي جمعه بين أجيال مختلفة من الفنانين.

ورغم هذا الزخم الإبداعي، تبقى الدراما العراقية أسيرة إطارها المحلي، وهو ما يعزوه عدد من المخرجين والمنتجين إلى ضعف آليات التوزيع والتسويق.

ويؤكد المخرج مراد ترك أن المشكلة ليست في جودة الأعمال، بل في غياب الدعم المؤسسي وقلة المنصات العربية التي تعرض هذه الإنتاجات.

وترى الممثلة الشابة زهراء علي أن الجمهور العراقي بات أكثر ارتباطًا بالدراما المحلية، لكنه يتمنى أن يراها معروضة على شاشات عربية كبرى لتصل إلى جمهور أوسع.

إلى جانب ذلك، يبرز عامل اللغة واللهجة كعقبة حقيقية أمام الانتشار العربي، فاللهجة العراقية، بتنوعها وغناها اللغوي، قد تبدو صعبة الفهم على جمهور عربي غير معتاد عليها، خاصة في الأعمال التي تعتمد على الحوار المكثف والتعابير المحلية.

وعلى عكس الدراما السورية أو المصرية، التي استفادت من انتشار لهجتيهما عبر عقود طويلة، لم تحظَ اللهجة العراقية بالفرصة نفسها. ورغم أن بعض الأعمال تحاول تبسيط الحوار أو الاعتماد على الفصحى الجزئية، إلا أن هذا التحدي ما زال قائمًا ويحتاج إلى حلول إبداعية، مثل الترجمة المصاحبة أو الترويج المسبق الذي يهيئ المشاهد العربي لفهم السياق اللغوي والثقافي.

وعند مقارنة الدراما العراقية بنظيراتها في مصر أو سوريا أو الخليج، يتضح أن الفارق لا يكمن في المستوى الفني بقدر ما هو مرتبط بحجم الاستثمار وشبكات التوزيع. فالمسلسلات المصرية، على سبيل المثال، تصل إلى كل بيت عربي بفضل قنوات فضائية كبرى ومنصات رقمية واسعة الانتشار، بينما تبقى الأعمال العراقية محصورة في نطاق محلي ضيق. هذا الواقع يعكس الحاجة إلى استراتيجية ثقافية واضحة تعتبر الدراما قطاعًا استراتيجيًا يستحق الدعم والتخطيط طويل الأمد.

ورغم التحديات، تلوح في الأفق مبادرات واعدة تسعى إلى كسر حاجز المحلية. وبدأ بعض المنتجين التعاون مع منصات رقمية عربية، فيما تعمل جهات ثقافية على تنظيم عروض خاصة للأعمال العراقية في دول الجوار.

ويرى الممثل المخضرم سامي قاسم أن الدراما العراقية تعيش مرحلة انتقالية مهمة، خرجت فيها من القوالب التقليدية لتلامس قضايا أكثر جرأة وواقعية، لكنها تحتاج إلى منصات عرض قوية كي تصل إلى جمهور عربي واسع. أما الممثلة الشابة نور الهادي فتعبّر عن أملها في أن ترى الأعمال العراقية معروضة على منصات كبرى مثل "شاهد" أو "نتفليكس"، بما يسهم في تجاوز حاجز اللهجة والجغرافيا.

في المحصلة، فإن استمرار حصر الدراما العراقية ضمن دائرة المحلية يمثل خسارة فنية وثقافية كبيرة للمشهد الدرامي العربي ككل. فالعراق يمتلك مخزونًا غنيًا من القصص الإنسانية القادرة على مخاطبة وجدان المشاهد العربي، كما يزخر بمواهب تمثيلية وإخراجية لا تقل كفاءة عن نظيراتها في المنطقة.