الدلالة السياسية لفوز'أليكسفيش' بجائزة نوبل للأدب

يثير منح البيلاروسية "ستيلفانا أليكسفيش" جائزة نوبل في الآداب، سؤالا قد يبدو منطقيا عن طبيعة العلاقة بين مؤسسة نوبل وتوجهات السياسة الغربية؟

لا شك أن الكاتبة الصحفية والأديبة البيلاروسية ستيلفانا أليكسفيش تستحق جائزة نوبل للأدب، غير أن حصولها عليها في العام 2015 حيث تتصارع روسيا والناتو علي الساحة السورية، بل ساحات عربية وشرق أوسطية أخرى، وتتناطح في سهولها ووديانها الأيائل الروسية والغربية، مخلفة الدمار والإرهاب واللاجئين أيضا، يعطي هذا كله صورة أو قل تفسيرا حول علاقة جائزة نوبل بتوجهات السياسة الغربية، إذ ليس من المنطقي النظر إلي الجائزة بحيادية مطلقة، وكأنها مؤسسة خيرية بعيدة كل البعد عن دهاليز السياسة واتجاهات المصالح المتضاربة بين القوي العالمية، خصوصا وأن فوز أليكسفيتش لا يعدم الهمز واللمز لروسيا بوتين، فالكاتبة واحدة من أكبر المنتقدين للنظام الروسي، وألفت العديد من الكتب المناهضة له، أبرزها كتاب “صلاة تشيرنوبيل”.

ستيلفانا ولدت عام 1962 في ستايسلاف بأوكرانيا لأب بيلاروسي وأم أوكرانية، ولكنها قضت طفولتها في بيلاروسيا. بعد انتهائها من الدراسة عملت في عديد من الصحف المحلية لفترة وجيزة، قبل أن تصبح مراسلة لمجلة نيمان الأدبية بمنيسك.

وواصلت مهنة الصحافة والكتابة السردية بدءاً من مقابلات مع بعض الشهود على الأحداث، حتى إلى الأحداث الأكثر دموية في البلاد مثل الحرب العالمية الثانية، والحرب بين الاتحاد السوفيتي وأفغانستان، وكارثة سقوط الاتحاد السوفيتي.

كما تعرضت ستيلفانا للاضطهاد من نظام لوكاشينكو، فتركت بيلاروسيا عام 2000، حيث منحتها شبكة المدن العالمية للاجئين ملاذًاً لها، وخلال العقد التالي عاشت في باريس جوتنبرج وبرلين، ثم عادت إلى منيسك مرة أخرى عام 2011.

وتوصف كتاباتها على أنها الوقائع الأدبية للتاريخ قبل وبعد الاتحاد السوفيتي، ومن بين أبرز أعمالها المترجمة للإنكليزية هي أصوات السوفيتية من حرب أفغانستان، وأصوات من تشيرنوبل.

كما صدر أول كتاب لها عام 1985 تحت عنوان "وجه الحرب"، حيث بيع منه ما يزيد على مليوني نسخة. ونشرت كتبها في أكثر من 19 دولة من بينها الولايات المتحدة وألمانيا والمملكة المتحدة واليابان والسويد وفرنسا والصين وفيتنام وبلغاريا والهند، وذكر اسمها في تتر 21 فيلماً وثائقيّاً وثلاث مسرحيات عرضت في فرنسا وألمانيا وبلغاريا. وفازت بالإضافة لجائزة نوبل، بما يقرب من 10 جوائز أدبية أخرى بدءاً من عام 1996.

وبحصولها على نوبل، فإنها تصبح المرأة الرابعة عشرة التي فازت بالجائزة، منذ منحت لأول مرة في عام 1901، حيث كانت الكندية أليس مونرو آخر الفائزات بها عام 2013.

وفي إشارة لا تخلو من دلالة على تجدد الصراع بين الغرب مع روسيا، قالت رئيس الأكاديمية السويدية، سارة دينيس، إن أعمال ستيلفانا أليكسفيش تعد "نصباً تذكارياً للمعاناة والشجاعة في عصرنا".

وليس خافيا أن ستيلفانا أليكسفيش كانت خلال الأربعين عاماً الماضية مشغولة برسم الفرد السوفيتي، والحديث عن تحولاته، فهي لا تكتب عن تاريخ الأحداث فحسب، بل تسجل تاريخ العواطف، حيث تقدم لنا في الواقع العالم العاطفي، في أشد الحروب والكوارث، على سبيل المثال كارثة تشيرنوبيل، والحرب السوفيتية في أفغانستان، وكذلك تحاول اكتشاف دواخل الأفراد السوفييت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، فقد أجرت الآلاف والآلاف من المقابلات مع الأطفال، والنساء والرجال، وبهذه الطريقة فهي تقدم لنا تاريخ البشر الذين لم نكن نعرف عنهم الكثير، وفي الوقت نفسه تقدم لنا تاريخاً من العواطف، تاريخاً من الروح.

ومن هنا أشاد القائمون على الجائزة بما قدمته ستيلفانا أليكسفيش من وضع "نوع جديد من النوع الأدبي"، حيث قدمت كتابها الأول استنادا إلى مقابلات مع مئات من النساء الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية، الذي تقول عنه ستيلفانا أليكسفيش "أنه محاولة لاكتشاف الحرب العالمية الثانية من منظور مختلف، حيث كل ما كان قبل هذا الكتاب غير معروف تماماً تقريباً، حيث يحكي الكتاب قصة مئات ومئات من النساء الذين كانوا في الجبهة في الحرب العالمية الثانية. حيث شارك ما يقرب من مليون امرأة سوفياتية في الحرب، لتصبح تاريخاً غير معروف إلى حد كبير". لذلك حقق الكتاب نجاحا كبيرا في الاتحاد السوفيتي عند نشره، وبيع منه أكثر من مليوني نسخة.

وليس أدل علي صحة ماسبق، من وصف لجنة تحكيم الجائزة للكاتبة البيلاروسية بأنها تعد التاريخ الشفوي للاتحاد السوفيتي، حيث ذهبت في جميع أنحاء روسيا، وأجرت مقابلات مع أشخاص كثر بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، لتخلص إلى نفسية الأفراد في هذا الوقت، وطريقة تفكيرهم، وتقدم لنا قصصاً عن فقدان الهوية، وكيفية العثور على نفسك في بلد لا يعترف بالأفراد، إن ستيلفانا أليكسفيش تقدم مسحاً تاريخياً لروسيا في النصف الثاني من القرن العشرين حتى تصل إلى سنوات بوتين.