الدوحة تتحول إلى غرفة عمليات موازية لمفاوضات باكستان
الدوحة - استضافت الدوحة اجتماعات حساسة بين مسؤولين إيرانيين ومسؤولين قطريين لبحث ملامح اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن، رغم أن قطر كانت قبل أشهر قليلة هدفا مباشرا للتصعيد الإيراني حين طالتها هجمات ضمن سياق الحرب المتفاقمة في الخليج، فيما يأتي هذا التطور مع تعثر جولة مفاوضات ثانية ترعاها باكستان بدعم من دول الخليج ومصر وتركيا.
وتكشف هذه الزيارة حجم البراغماتية القطرية، كما تعكس إدراكا إيرانيا متزايدا بأن بوابة التهدئة تمر عبر العواصم الخليجية القادرة على مخاطبة جميع الأطراف. كما تسلط الضوء على احتمال تحول الدوحة الى غرفة عملية سياسية موازية للحراك الدبلوماسي في اسلام اباد.
وبحسب مسؤول مطلع تحدث لرويترز، فإن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وكبير المفاوضين الإيرانيين وصلا إلى الدوحة لإجراء مباحثات مع رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمان آل ثاني تناولت بصورة أساسية ملف مضيق هرمز ومخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، إضافة إلى بحث إمكانية الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج ضمن أي اتفاق نهائي مع الولايات المتحدة.
وتأتي هذه التحركات بينما تسود أجواء حذرة في واشنطن وطهران بشأن فرص التوصل إلى انفراجة قريبة، فقد قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو من نيودلهي إن الولايات المتحدة ستمنح المسار الدبلوماسي "كل فرصة ممكنة" قبل اللجوء إلى "بدائل أخرى"، في إشارة ضمنية إلى الخيارات العسكرية أو تشديد الضغوط الاقتصادية.
وسبق أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه ألغى هجمات على إيران في اللحظات الأخيرة بطلب من دول خليجية بينها قطر، وهي دول تسعى لتحويل الهدنة الهشة إلى اتفاق سلام دائم يأخذ بالاعتبار هواجسها الأمنية ويخلص مضيق هرمز من التهديدات الإيرانية.
وبدا ترامب أكثر ميلا إلى إبقاء باب التفاوض مفتوحا دون استعجال النتائج. وكتب في منشور مطول على منصة 'تروث سوشال' أن المحادثات مع إيران "تسير بشكل جيد"، لكنه أضاف بلهجة تهديدية أن البديل عن الاتفاق سيكون "لا اتفاق على الإطلاق"، ملمحا إلى إمكانية تنفيذ هجمات جديدة إذا انهارت المفاوضات.
ويتمحور جوهر النقاشات الجارية في الدوحة حول إعادة فتح مضيق هرمز بصورة مستقرة، بعدما تسبب إغلاقه شبه الكامل منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي في اضطراب واسع بأسواق الطاقة العالمية. وقبل الحرب كان المضيق يمر عبره نحو 20 بالمئة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالميا، فيما انخفضت حركة السفن بصورة حادة خلال الأشهر الماضية.
ووفق المعطيات التي نقلتها رويترز، فإن مسؤولين أميركيين أكدوا أن إيران وافقت "من حيث المبدأ" على ضمان فتح المضيق والتخلص من اليورانيوم عالي التخصيب، وهي خطوة تعتبرها واشنطن حجر الزاوية في أي اتفاق دائم يمنع طهران من الاقتراب من إنتاج سلاح نووي.
لكن طهران تحاول في المقابل تحويل الاتفاق إلى حزمة أوسع تشمل رفع العقوبات والإفراج عن عشرات المليارات من الدولارات المجمدة في بنوك أجنبية. ولهذا حمل الوفد الإيراني إلى الدوحة بعدا اقتصاديا واضحا، إذ ضم محافظ البنك المركزي الإيراني في إشارة إلى أن الملف المالي بات جزءا أساسيا من المفاوضات، وليس مجرد بند ثانوي.
ورغم هذه الأجواء الإيجابية نسبيا، حرصت الخارجية الإيرانية على خفض سقف التوقعات. وقال المتحدث باسمها إسماعيل بقائي إن الاتفاق مع الولايات المتحدة "ليس وشيكا"، موضحا أن ما يجري حاليا يتعلق بإطار تفاهم أولي يتضمن 14 بندا تركز على إنهاء الحرب والحصار البحري الأميركي مقابل التزامات إيرانية تتعلق بأمن الملاحة.
وأكد بقائي أن الملف النووي نفسه لن يكون ضمن المرحلة الحالية من المحادثات، بل سيجري التفاوض بشأنه خلال فترة تمتد إلى 60 يوما في حال تم التوصل إلى تفاهم سياسي أولي.
وتحاول إيران في الوقت ذاته إظهار أنها لا تتفاوض من موقع ضعف عسكري، فقد أعلنت وسائل إعلام إيرانية إسقاط "طائرة مسيرة شبحية معادية" باستخدام نظام دفاع جوي جديد، من دون تحديد الجهة التي أطلقت المسيرة. ونقلت وكالة فارس عن مسؤولين قولهم إن الحادثة "رسالة تؤكد أن أجواء الخليج لم تعد مفتوحة أمام الطائرات الخفية".
والتوازي بين التصعيد العسكري والانفتاح الدبلوماسي يكشف طبيعة الاستراتيجية الإيرانية القائمة على تحسين شروط التفاوض عبر استعراض القوة، خصوصا في ظل إدراك طهران أن واشنطن نفسها تواجه ضغوطا داخلية متزايدة بسبب تداعيات الحرب على أسعار الطاقة والتضخم.
وفي هذا السياق، تبدو الدوحة مرة أخرى لاعبا محوريا في هندسة التفاهمات الإقليمية، رغم أنها كانت قد تعرضت لهجمات إيرانية خلال ذروة التصعيد، غير أن قطر اختارت الاستمرار في لعب دور الوسيط، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع واشنطن وطهران وقدرتها على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة حتى في أكثر اللحظات توترا.
وتعكس استضافة الوفد الإيراني أيضا إدراكا خليجيا متناميا بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يبنى فقط على الردع العسكري، بل يحتاج كذلك إلى ترتيبات سياسية وأمنية تضمن استقرار الممرات البحرية وأسواق الطاقة.
وقد انعكس هذا التفاؤل الحذر سريعا على الأسواق العالمية، إذ تراجعت أسعار النفط بأكثر من أربعة بالمئة إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين مع تنامي الآمال بإمكانية التوصل إلى اتفاق يخفف أزمة الطاقة العالمية.
ومع ذلك، لا تزال العقبات كبيرة، فالخلافات تمتد من البرنامج النووي الإيراني إلى دور طهران الإقليمي وعلاقتها بحزب الله، إضافة إلى مطالبها المالية الواسعة. كما أن إسرائيل تراقب المسار بقلق متزايد، خاصة بعد تقارير أفادت بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أبلغ مقربين منه بأن قدرة تل أبيب على التأثير في قرارات ترامب بشأن إيران باتت محدودة.
وبين ضغوط الحرب وإغراءات التسوية، تبدو الدوحة اليوم وكأنها تتحول إلى غرفة عمليات سياسية لإعادة رسم توازنات الخليج، حيث يجلس الخصوم إلى الطاولة نفسها، بينما يبقى مضيق هرمز مفتاح الاتفاق أو شرارة الانفجار التالي.