الديمقراطي الكردستاني: انسحاب مقاتلي العمال من تركيا الى الإقليم لا يشكل تهديدا
أربيل - أكد المسؤول في الحزب الديمقراطي الكردستاني، وفا محمد كريم، أن انسحاب مقاتلي حزب العمال الكردستاني من الأراضي التركية باتجاه شمال العراق يأتي ضمن إطار عملية السلام الجارية بين الأطراف المعنية، وأن هذه الخطوة لا تمثل أي تهديد أمني جديد أو تحركاً عسكرياً داخل العراق.
وأوضح كريم في تصريحات لموقع "بغداد اليوم" أن ما يجري يُعد المرحلة الثالثة من خطة نزع السلاح الشاملة التي بدأ تنفيذها بناءً على طلب زعيم الحزب، عبدالله أوجلان، والتي سبقتها عمليتان سابقتان تضمنت إلقاء السلاح من قبل المسلحين وإطلاق سراح سجناء لدى الحكومة التركية. وأكد أن هذه الخطوة تنسجم مع التفاهمات السياسية والأمنية بين الأطراف المشاركة في عملية السلام.
ويأتي انسحاب المقاتلين في وقت يشهد فيه العراق وإقليم كردستان تطورات إيجابية في العلاقات مع تركيا، تتضمن زيارات متبادلة بين المسؤولين وتفاهمات مبدئية لضبط الحدود ومكافحة التنظيمات المسلحة الخارجة عن القانون. وبحسب مراقبين، فإن هذه التحركات تظهر حرص بغداد وأربيل على عدم تحويل الأراضي العراقية إلى ساحة صراع إقليمي، ودعم أي مسار يسهم في تسوية سلمية للنزاع الكردي–التركي.
وفي الفترة الماضية، تلا عدد من قيادات العمال الكردستاني من مناطق جبال قنديل، المعقل التاريخي للحزب قرب مدينة السليمانية بياناً يؤكد أن الانسحاب يطبق قرارات "المؤتمر العام" الذي انعقد في مايو/أيار الماضي، استجابة لتوجيهات أوجلان. وأشار البيان، الذي حضره نحو 23 عنصراً يمثلون أول مجموعة تغادر تركيا، إلى أن الخطوة تمثل نهاية العمل العسكري المباشر داخل الأراضي التركية، في إطار سعي طويل الأمد لإنهاء الصراع المسلح المستمر منذ أكثر من أربعة عقود، والذي خلف عشرات الآلاف من القتلى وأثر بعمق على العلاقة بين الدولة التركية والمكوّن الكردي فيها.
ويشير مراقبون إلى أن توقيت الإعلان يحمل دلالات رمزية وسياسية متوازية. تركيا تعتبر الانسحاب خطوة إيجابية لمسارها الأمني ضد الحزب، لكنها في الوقت ذاته لا تعكس انهياراً كاملاً للتنظيم، بل إعادة تموضع جغرافي وسياسي للحفاظ على وجوده ضمن حدود شمال العراق. ويبدو أن الحزب يسعى من خلال هذه الخطوة إلى التكيف مع موازين القوى الجديدة في المنطقة، حيث تتقاطع مصالح إقليم كردستان مع أنقرة وطهران وواشنطن.
ويرى بعض المحللين أن توجيهات أوجلان تشير إلى تحول استراتيجي في نهج الحزب، من التركيز على العمل العسكري إلى تعزيز الفعل السياسي والمدني، بما يتوافق مع التحولات الإقليمية التي لم تعد تسمح بوجود تنظيمات مسلحة خارج إطار الدولة. ومن هنا، يمكن اعتبار الانسحاب خطوة لتقليص التوترات، وتسهيل الدخول في مسار سياسي أطول وأعمق.
رغم الطابع السلمي المعلن للانسحاب، يبقى وجود مقاتلي الحزب في شمال العراق مثار تحديات معقدة. المناطق الجبلية الممتدة بين دهوك والسليمانية تمثل العمق الاستراتيجي للحزب، لكنها أصبحت في السنوات الأخيرة ساحة ضغط مزدوج من تركيا وحكومة إقليم كردستان.
وكثفت تركيا عملياتها الجوية والبرية في الإقليم تحت شعار "ملاحقة الإرهاب"، معتبرة أن استمرار وجود الحزب قرب حدودها يشكل تهديداً لأمنها القومي. في المقابل، يرى إقليم كردستان أن بقاء مقاتلي الحزب يمكن أن يؤثر سلباً على علاقاته الاقتصادية والسياسية مع تركيا ويضعف سلطته على أراضيه.
ويشير الخبراء إلى أن الانسحاب قد يفتح المجال لتوترات جديدة إذا لم يتم التعامل معه بآليات واضحة، خصوصاً أن تركيا تمتلك وجوداً عسكرياً واسعاً في المناطق الحدودية، مع تعاون أمني محدود مع بغداد في بعض الملفات، مما يجعل أي سوء تفاهم قد يتحول إلى صدام محدود.
وتعد التطمينات الصادرة عن الحزب الديمقراطي الكردستاني مبنية على وقائع ومصادر موثوقة، حيث لعب الحزب دوراً إيجابياً في التوصل إلى التفاهمات بين العمال الكردستاني والسلطات التركية، بما في ذلك تنسيق مراحل الانسحاب وضمان عدم استغلالها لأغراض عسكرية جديدة. ويشير ذلك إلى أن الخطوة ليست مجرد تحرك عسكري، بل جزء من استراتيجية أوسع لإعادة ضبط العلاقة بين الأطراف الكردية والدولة التركية ضمن عملية سلام متدرج ومستدام.
كما تؤكد المعطيات على أن هذا الانسحاب يتيح فرصة لتعزيز الحوار السياسي وتخفيف المخاطر الأمنية على إقليم كردستان والعراق، مع الحفاظ على علاقات مستقرة مع القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في الملف الكردي.