الذكرى الأولى لرحيل هيثم الزبيدي: غياب لا يقطع الحضور
في الذكرى السنوية الأولى لرحيل الدكتور هيثم الزبيدي ، يعود إلينا الحزن عميقًا وكأن الفقد كان بالأمس. عامٌ كامل مضى على غيابه لكن حضوره ما زال حيًا في القلوب والذاكرة وفي كل أثر تركه بفكره وعطائه ومسيرته الأكاديمية والصحفية.
عزيزي هيثم ، رحلتَ عن هذا العالم ، لكنك تركتَ في قلوب محبيك ذكرياتٍ لا تُنسى، ستبقى حيّة ما بقيت المحبة والوفاء.
الأصدقاء يفتقدونك اليوم في المحافل الثقافية والإعلامية ويستحضرون صورتك في كل لقاءٍ ونقاش ويتذكرون أحاديثك العميقة الممزوجة بابتسامتك الهادئة وروحك المرحة التي كانت تضفي دفئًا وألفةً على كل مجلس. كانوا يجدون في حضورك مساحة للحوار وتبادل الأراء ، وكأنهم ما زالوا يفتشون عنك في أروقة معرض أبوظبي الدولي للكتاب ، أو في إحتفاليات جائزة الشيخ زايد للكتاب ، أو في فعاليات موسم أصيلة الثقافي أو بين مكاتب مؤسسة العرب أو ميدل إيست أونلاين أو حيث كانوا ، وحيث كنت حاضرًا بروحك وفكرك وشغفك اليومي بالإعلام والثقافة. كانوا يعتادون أن يروك محاطًا بالأصدقاء والكتّاب والمثقفين ، تناقش فكرة جديدة ، أو تحلل حدثًا سياسيًا ، أو تروي موقفًا طريفًا يملأ المكان سرورا ومحبة.
واليوم كلما أجتمع أصدقاؤك في مناسبة ثقافية أو لقاء إعلامي يشعرون بأن هناك مقعدًا ما زال ينتظر حضورك ، وصوتًا غائبًا ما زالت الذاكرة تسمعه بوضوح. يتحدثون عنك وكأنك لم ترحل لأن الأرواح الكبيرة لا تغيب ، بل تبقى حاضرة في تفاصيل الأماكن والوجوه والذكريات.
طيفك الملائكي ما زال يزورني كل يوم ، كأن الرحيل لم يستطع أن يقطع ذلك الحضورالدافئ الذي اعتدناه منك. أراك في تفاصيل الأيام الصغيرة، في الكلمات التي كنت ترددها، وفي اللحظات التي يختلط فيها الصمت بالحنين. أشعر وكأن روحك ما زالت تحوم حولنا، تمنحنا شيئًا من الطمأنينة التي كنت تبثها في كل مكان تحلّ فيه.
أما أنا، فأحاول أن أطفئ حرقتي على رحيلك باستعادة رحلتك الجميلة في الذاكرة. عرفتك طفلًا ذكيًا، لا يكفّ عن طرح الأسئلة والاستفسارات، بعينين تلمعان بالفضول، وعقلٍ كان يبحث دائمًا عن المعرفة وإكتشاف ما وراء الأشياء. كنت مختلفًا منذ البدايات، وكأن ملامح مستقبلك كانت واضحة في شغفك المبكر بالحياة والفكر والقراءة.
وعرفتك يافعًا شغوفًا بالمعرفة عاشقًا للكتب والحوار لا يهدأ لك عقل أمام فكرة جديدة أو قضية تستحق النقاش. كنت تسعى دائمًا إلى التعلّم والتأمل، وتؤمن بأن الثقافة ليست ترفًا، بل رسالة ومسؤولية تجاه الإنسان والحياة.
ثم عرفتك رجلًا حكيمًا، ناضج الفكر، واسع الرؤية ، يحمل في داخله إنسانًا نقيًا لم تغيّره التحديات ولا سنوات التجربة الطويلة. بقيت وفيًا لتواضعك وطيبتك وإنسانيتك ، قريبًا من الناس ، تحترم الجميع وتمنحهم من قلبك قبل كلماتك.
وإذا كان رحيلك قد ترك في القلب وجعًا لا يهدأ، فإن عزائي الحقيقي هو ما تركته خلفك من محبة صادقة وإحترام كبير في قلوب كل من عرفوك. فقد رحلت ، لكن سيرتك الطيبة ما زالت حيّة بين الناس ، تتردد في دعواتهم وذكرياتهم وكلماتهم عنك. وهذه وحدها نعمة لا ينالها إلا أصحاب الأرواح النبيلة.
وعزائي أيضًا أننا نرى شجرة الزيتون التي شاء الله أن تجاور قبرك الطاهر قد أثمرت، وكأنها تحمل رسالة حياة وطمأنينة، وتهمس بأن الأرواح الطيبة لا ترحل عبثًا بل تترك أثرها ممتدًا في الأرض كما في القلوب. ارقد بسلام أيها العزيز، فقد تركت وراءك ذكرى لا تموت، ومحبة ستبقى ما بقيت الأيام.