الرافعة المصرية للقضية الفلسطينية

انتقال المعركة من ساحة القتال إلى المفاوضات يمنح القاهرة مساحة كبيرة للحركة لتفكيك أي مصيدة تنصبها تل أبيب أو تخفيها واشنطن.

تحدث كثيرون عن تراجع دور مصر الإقليمي، ومنحوا وقتا طويلا للإشارة إلى تلاشي تأثيرها في القضية الفلسطينية، انطلاقا من تراكم الأزمات الاقتصادية في الداخل، وتعقيدات تشهدها المنطقة، منحت أدوارا مهمة لقوى أخرى حسبت أنها قادرة على تهميش القاهرة، لكن ما حدث خلال الأيام الماضية بشأن عودة المفاوضات غير المباشرة من أجل وقف الحرب بين إسرائيل وحركة حماس، وفّر أجواء مواتية لاستعادة مصر إلى نشاطها الدبلوماسي، حيث تستضيف محادثات بين الجانبين، على إثرها قد يتحدد مستقبل قطاع غزة، وربما كثير من التطورات في المنطقة.

يبدو استئناف المفاوضات من على أرض مصر هذه المرة أكثر أهمية من أي مرحلة سابقة جرت فيه لقاءات بالقاهرة أو الدوحة، لأنها تتطرق إلى قضايا جوهرية، واستعداد الطرفين الرئيسيين، وهما إسرائيل وحماس، أعلى جاهزية للتعامل معها، وباتت الهواجس من مناورات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أقل تأثيرا من ذي قبل، ورؤية حماس مغايرة لما كانت عليه سابقا.

وكلاهما يأتي مدفوعا بإرادة سياسية واضحة يتبناها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو ما قرأته القاهرة جيدا، وجعلها تضغط على حماس للتجاوب مع مبادرته أو خطته لوقف الحرب في غزة، وعدم التوقف عند ما تنطوي عليه من ألغام سياسية.

القاهرة قد تحقق أهم أهدافها من خطة ترامب وهو وقف سيناريو التهجير إلى سيناء رغم أن شبحه لم يختف تماما في هذه الخطة.

يشير وصول وفدين رفيعي المستوى من إسرائيل وحماس، وآخر من الولايات المتحدة، إلى أهمية جولة المحادثات التي تبدأ يوم الاثنين (6 أكتوبر/تشرين الأول) في مصر لضبط الأمور لوقف إطلاق النار، الذي سعت إليه القاهرة ولم تمكنها الأجواء العامة من تحقيقه، فمهما كانت الصيغة التي ستصل إليها الاجتماعات سوف تصبح ركيزة لوقف الحرب. وهذه أول مرة يتم فيها الحديث صراحة عن هذا الأمر، والذي يضاف إلى عدم قيام إسرائيل بمزيد من قصف مدينة غزة أو غيرها، واقتصاره على الحد الدفاعي.

قد تحقق القاهرة أهم أهدافها من خطة ترامب، وهو وقف سيناريو التهجير إلى سيناء، ومع أن شبحه لم يختف تماما في هذه الخطة، حيث تحوي الخطة تفاصيل يمكن أن تكون بابا لدخول كثير من الشياطين، غير أن رهان مصر على استمرار دورها كرافعة للقضية الفلسطينية لم يتوقف، مستفيدة من تراكم خبرتها في المفاوضات مع إسرائيل، وفهمها لعقل الولايات المتحدة عندما تتدخل كوسيط.

ولذلك فمجرد انتقال المعركة من ساحة القتال إلى المفاوضات، يمنح القاهرة مساحة كبيرة للحركة، لتفكيك أي مصيدة تنصبها تل أبيب أو تخفيها واشنطن عند التطرق إلى بعض الملفات الحيوية، بحكم درايتها بكثير من الألاعيب السياسية.

تراهن مصر على أن وقف إطلاق النار هذه المرة لن يتم التنصل منه بسهولة، متسلحة بالعزلة الدولية التي أصابت إسرائيل بسبب غطرسة قيادتها، وتأييد جهات عدة لوقف الإبادة الجماعية في غزة، وجاء توالي الاعتراف بالدولة الفلسطينية ليحرج الإدارة الأميركية ويجعلها تخفف من انحيازها السافر لإسرائيل ولو مؤقتا، من خلال تبني مبادرة تؤدي إلى وقف الحرب، ناهيك عن معاناة الشعب الفلسطيني، واستيعاب حماس لدروس سلبية واجهتها، وتوافر دعم عربي كبير لمنع تصفية القضية الفلسطينية.

يعد فهم مصر لهذه التطورات ركيزة أساسية في تحركاتها حيال كل من إسرائيل وحماس والولايات المتحدة والمجموعتين العربية والدولية، وما سمح لها لتتقدم الصفوف وجود قناعة عامة تؤكد أنها حريصة على السلام كخيار إستراتيجي في علاقتها مع إسرائيل، ورغبتها العارمة في تحقيق الأمن والاستقرار داخل منطقة تشهد وفرة في الصراعات، يمكن أن تمتد إلى ما هو أبعد مما يدور فيها حاليا، بشكل يقلب الأوضاع فيها، وينذر بمزيد من التوترات التي تتناقض مع الخطاب المعلن للرئيس ترامب، والذي لا تصب في صالح دول غربية قدمت مقاربة جيدة للتعامل مع المنطقة.

كما أن إسرائيل لن تتمكن من تحقيق أهدافها المتعلقة بإعادة هندسة الشرق الأوسط وفقا لأولوياتها، فكل الحروب التي خاضتها في غزة والضفة الغربية وسوريا ولبنان، ومع اليمن وإيران، لم تحسم أي منها على مدار عامين، بما يعني أن الوقت لن يسعفها مهما طال لتحقيق أغراضها كاملة، إذ تتطلب تكلفة أو تضحية أميركية كبيرة.

ربما لا يتمكن الرئيس ترامب من توفيرها في خضم انتقادات يتعرض لها من خصومه في الحزب الديمقراطي، ومن داخل الحزب الجمهوري نفسه، حيث بدت إسرائيل مقدمة على الولايات المتحدة، وانقلب شعار حركة MAGA من أميركا أولا إلى إسرائيل أولا، وبدلا من أن يملي الرئيس ترامب تعليماته على نتيناهو أصبح الأخير وكأنه هو من يأمر رئيس أقوى دولة في العالم بتحقيق أهدافه.

درست القاهرة هذه المحددات وتعاملت معها بدبلوماسية، وفي أوج توتراتها مع إسرائيل، حرصت على تجنب الصدام مع الإدارة الأميركية، وزادت من حركتها السياسية لتعزيز الثوابت المحورية في العلاقات بين الجانبين، وتوضيح بعض الرؤى التي قد يكون مستشارو ترامب أغفلوها عمدا أو سهوا، حيث تعلم مصر أن تصفية القضية الفلسطينية على طريقة اليمين المتطرف في إسرائيل سوف يفضي إلى انكشاف إستراتيجي لها، ويفتح الطريق نحو ترتيب الأوضاع في المنطقة بالشكل الذي تريده إسرائيل، ويتضمن تقليص دور مصر وتهميشها إقليميا وإخراجها من معادلتي الصراع على المستويين، العسكري والسياسي.

لم تقدم القاهرة نفسها كداعمة للقضية الفلسطينية دفاعا عنها فقط، بل دفاعا عن الأمن القومي العربي، والذي هو رأس الحربة للأمن القومي المصري، ما دفعها إلى غض الطرف عن بعض المشاحنات مع إسرائيل وجهات إقليمية تريد حفر مكان لها، والتركيز على عدم التفريط في وحدة الفلسطينيين، ومنح أولوية لاسترداد السلطة الوطنية لدورها المفقود، كعنوان قابل للتداول على المستوى الدولي، وإن احتاجت إلى إصلاحات في عدد من هياكلها الرئيسية، لسد فراغ تسعى إسرائيل إلى استثماره.

فبعد أن اختزل اليمين المتطرف الأزمة- الحرب في حماس، قامت إسرائيل باستدارة نحو مزيد من تشويه السلطة الوطنية، كي تنزع عنها أي دسم سياسي تحصل عليه، ومع توسيع نطاق الاعتراف بالدولة الفلسطينية لم تجد إسرائيل بدا من محاولة إعدام الفكرة سياسيا، الأمر الذي انتبهت إليه القاهرة وعملت على سد الثغرات أمامه.

إذا نجحت مصر، والدول العربية، في أن تخرج المفاوضات بين إسرائيل وحماس بنتائج إيجابية، ويستعاد جزء من اللُحمة الفلسطينية، والبناء على مكاسب زيادة الاعتراف بالدولة، سوف يكون للقاهرة مكانا إقليميا مهما، قد يفوق ما كانت عليه سابقا، لأنها أثبتت قدرتها على ضبط النفس، وتعاملت مع الحرب في غزة وصراعات إقليمية أخرى بدرجة عالية من المسؤولية، جعلتها في نظر قوى دولية عديدة أحد أهم صمامات الأمن وقاعدة للاستقرار بالمنطقة، مستفيدة من رؤية ساعدتها على قراءة الكثير مما يجري في المنطقة مبكرا، وصياغة آليات للتعامل معها بجدية حتى الآن.