الراقصة والمفكر .. تاريخ خارج الصفحة

مقال إدوارد سعيد وضعني أمام العديد من الأسئلة عن علاقة مثقف ومفكر كبير مثله براقصة وممثلة كتحية كاريوكا.


الكاتب المفكر جاء إلى القاهرة خصيصا، قبل وفاة الراقصة بعشر سنوات وشاهد العديد من أفلامها ومسرحياتها


سعيد يرى أن تحية كاريوكا ظاهرة ثقافية، ومن اهتمامات المثقف التعامل مع كل الظواهر 

بعد أربع وعشرين ساعة من وفاتها بثت شبكة  CNNتقريرا عن الفنانة تحية كاريوكا تناول نبذة عن حياتها وعن أعمالها ووصفتها بمارلين مونورو العالم العربي، وأشار التقرير إلى بعض أفلام تحية خاصة "شباب أمرأة" الذي عرض في مهرجان كان 1958 وحصل على جائزة دولية.
ولعل أبرز ما تطرق إليه التقرير هو مقال الدكتور إدوارد سعيد الذي نشره في مجلة لندن "ريغيو اوف بوكس" وحاول فيه إيفاءها حقها كراقصة وفنانة ورمز ثقافي ليس فقط في مصر بل في كل العالم العربي الذي عرفها من خلال السينما ثم التليفزيون بفضل مهاراتها المذهلة التي لم ينافسها فيها أحد كراقصة وفنانة، وأيضا فتنتها المصرية وتلاعبها الساحر بالكلام وروح المناكفة والغزل كما يقول إدوارد.
ولقد وضعني مقال إدوارد سعيد أمام العديد من الأسئلة عن علاقة مثقف ومفكر كبير كإدوارد براقصة وممثلة كتحية كاريوكا، وأيضا الكتابة عنها بجدية وبتحليل لا يقل عمقا عن كتابته في الاستشراق، أو غيره، وأيضا جرأته في تناول الشخصية والتعامل معها بكل معطياتها من تناقض وخفة وحرية وعمق وإنسانية وغيرها.
وأخيرا الربط بين الشخصية وواقعها الاجتماعي والسياسي وعلاقتها بهذا الواقع وكيفية التعامل معه. وكل هذا التناول العميق الذي لا يُقدم عليه سوى من هم في عمق تفكير وقدرات، وجدية إدوارد سعيد في الطرح، وضعني في حيرة لم يخرجني منها قليلا إلا توضيحات سعيد في مقاله: "وداعا.. يا تحية" الذي نشرته جريدة "الحياة" حينها.
يقول إدوارد: إنها أروع فنانات الرقص الشرقي في العالم العربي، وأطولهن عهدا، إذ استمرت حياتها الفنية "ستين سنة" من أوائل الستينيات إلى عهدي أنور السادات وحسني مبارك، وأرسلها كل من هؤلاء "عدا مبارك كما أعتقد" إلى السجن مرة أو أكثر بتهم مختلفة غالبيتها سياسية.
ويذكر الكاتب أنه جاء إلى القاهرة خصيصا، قبل وفاتها بعشر سنوات وشاهد العديد من أفلامها ومسرحياتها، ولنا أن نطرح على أنفسنا سؤالا هو:
أن يأتي مثقف ومفكر من أميركا إلى القاهرة بهدف مقابلة راقصة وممثلة معتزلة أو "شبه معتزلة" بعد أن أفل كل شيء حتى "أنوثتها" ما الدافع إلى ذلك؟ هل الدافع توثيق أو تعميق رؤيته عندما يكتب عنها أم ماذا؟
إن "اجابة" إدوارد غير المباشرة من خلال مقاله تؤكد لنا أنه من اهتمامات المثقف التعامل مع كل الظواهر "وهو يعتبر تحية ظاهرة ثقافية" بعمق، وعدم تجاهل الأدوار التي يلعبها أشخاص معينون في فترة من حياتهم. إذ أن هذا التعامل جزء من بنية المثقف وجزء من عمل المفكر.
لقد ربط الكاتب بين شخصية تحية والشخصية المصرية، وأيضا الدور الذي تلعبه مصر عربيا في مجال الفن والذي قدم شخصيات كتحية كاريوكا. ربما يستهزئ البعض من طرح أمثالها كشخصيات فارقة، فقد كانت تحية كما يقول إدوارد: "يسارية راديكالية في بعض الأمور وانتهازية خائفة في غيرها".

ويضيف ثلاث نقاط يرى أنها تستحق الذكر في الكتابة عن تحية بعد وفاتها:
النقطة الأولى: ويعتبرها جوهريا؛ ظاهرة لا تقبل الترجمة إلى الثقافات الأخرى "أي تحية" فقد بقيت مجهولة خارج العالم العربي، ولم تكن كأم كلثوم التي عرفت عالميا، فتحية التي قدمت فنا لا يقبل التجسيد الميكانيكي (فيديو – سينما – غيرها) لإبرازه بدقة كما هو – أرتبطت مكانيا بمصر خاصة كباريهات ومسارح وأعراس القاهرة، وإذا كان لكل ثقافة ركنها الخفي عن الثقافات الأخرى، فلتحية حضورها الواسع القوي الذي يحتل واحدة من تلك الامكنة في ثقافتنا.
النقطة الثانية: وقد فكر فيها إدوارد بعد موت تحية، وهي ما بدا له من الضياع والتخبط في حياتها الشخصية، ولا يبالغ اذ يقول: إنها شخصية هدّامة، بسبب عنادها وعجرفتها في علاقتها مع الكل، من ضمن ذلك مع نفسها، وأنها قد بدّدت ماضيها بحيث لم يبق لديها سيناريو أو صورة فوتوغرافية أو عقد عمل أو ثوب رقص أو أي شيء يوحي ببعدها الكبير عن كل ما ينم عن الاستقرار البيئي أو الحياة في شكلها المادي البرجوازي.
وأعتقد هنا أن إدوارد سعيد الذي كتب عن الشخصية في أوج مجدها وفي أوج أفولها لم يرجع إلى ماضيها وطفولتها وفقرها وضياعها فقد هربت من الإسماعيلية إلى القاهرة، لتبتعد عن قهر الأقارب بعد فقد أسرتها، كما لم يعرف أحد كيف استطاعت أن تصل إلى كازينو بديعة أشهر كازينوهات مصر وقتها (نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات" وما الردهات والطرق الوعرة التي مرت بها؟
أعتقد أن هذه التفاصيل ربما كانت ستعمق الرؤية وإن كنت أرى أن إدوارد اهتم بالمشاهد الخارجية اكثر.
النقطة الثالثة: إن حياة تحية وموتها يرمزان إلى ذلك الجزء الكبير من حياتنا في تلك البقعة من العالم الذي ينقضي دون تسجيل أو حفظ. ويؤكد أننا لن نرى مستقبلا مسجلا كاملا بالأقلام  أو فهرس بالكتابات عنها أو سيرة لحياتها. ويؤكد أن كل البلاد العربية لا تملك دوائر حقيقة للمحفوظات  أو مكاتب للسجلات العامة، أو مكتبات رسمية، كما ليست  لها سيطرة كاملة على معالمها وآثارها وتواريخ مدنها.
ويرى أن هناك تاريخا متدفقا غنيا خارج الصفحة.
إن مقال إدوارد سعيد يفتح الباب أمام الأهتمام بما يراه البعض خارج المشهد، أو خارج الإطار أو خارج الصفحة كما يقول سعيد، ويؤكد أن المشهد أوسع من الكلام عن بعض القضايا التي مللنا من تكرارها.