الرجل العربي فريسة اختياراته

يقولون أن الديمقراطية هي أفضل النظريات المتاحة لتمكين الشعب من حكم نفسه بنفسه من خلال أدوات الاختيار الحر المباشر لمن ينوب عنه في إدارة رقعة الأرض التي يعيش عليها والمعروفة بالوطن. وهي بلا شك نظرية وإن كانت لم تبلغ الكمال، فهي تقترب كثيراً من تحقيق العدالة، بما توفره من وسائل الرقابة والمحاسبة لمن يختارهم الشعب لإدارة جزء من الوطن كحاكم الولاية أو المحافظ، أو من يدير الوطن بكامله كرئيس الدولة، ومن يتولى المراقبة وضمان سلامة وقانونية جميع تصرفات الرئيس وإدارته التنفيذية وهو المجلس التشريعي المعروف بالبرلمان.

والديمقراطية والحال هكذا، تتكون بصورة مبسطة من إطار عام هو الشكل، وقواعد منظمة هي المضمون، والاثنان متمازجان ومتناغمان بما يتيح للشعب حُسن إختيار من يُدير وكذلك من يراقب ويحاسب نيابة عنه. وفي غير الدول العربية، لا توجد مشكلة في التطبيق، فجميع القواعد هناك واضحة ومُقننة ولا يجرؤ أي رئيس أن يتخطى تلك القواعد، ولذلك تعيش شعوب هذه البلدان حياة هادئة مُستقرة، كما أن الرئيس نفسه يعيش حالة من السلام النفسي والروحي تُمكنه من الإبداع في خدمة بلاده، على العكس من رؤساء الدول العربية الذين ينهمكون ليلاً ونهاراً في هواجس الحفاظ على نظامهم من العدو الخفي الذي لا يراه إلا الرئيس ورجاله. ولنا أن نتخيل الحالة النفسية التي يعيشها الرئيس العربي بالمقارنة بحالة رؤساء الدول المتحضرة، وهي بالتأكيد حالة لا تساعده مطلقاً على الأداء الجيد، ناهيكم عن أن يكون مبدعاً، فالإبداع يتطلب عقلا مطمئنا ونفسا هادئة وروحا مستقرة.

هنا تثور عدة أسئلة:

- هل الرئيس العربي سعيد في حياته الخاصة؟ وحين يتمكن في آخر اليوم أن يصل لغرفة نومه، هل يطبق جفنيه، أم يكتفي بواحدٍ فقط لتظل إحدى عيناه يقظه خوفاً من العدو المفترض؟

- هل هو راضٍ عن المستوى الاجتماعي والتعليمي والصحي للشعب، وهل يفتخر أمام رؤساء الدول المتقدمة بنتائح أدائه، حيث المعروف أنه هو الذي يملك ويحكم، ويحيي ويميت؟

- هل تجارب الدول التي تدهورت لإنتهاجها نفس النهج لم تكن كافية لإقناعه بعدم السير على هداها؟ أم إنه يتوقع أن ممارسة نفس السياسات القديمة الخاطئة سوف تؤتي نتائج مختلفة؟

تلك الأسئلة بعيدة كل البُعد عن منظور المؤامرة أو المعارضة، هي بريئة بالقدر الذي تتطلب معه إتساع أفق كل متلقي وحرصه على إعمال المنطق الطبيعي للأمور، ورغبته في اكتشاف الوسائل التي تعطي النتائج الصحيحة بلا أضرار. فليس من الضروري السقوط من علو شاهق ليتأكد الإنسان أن ذلك سيُحدث كسوراً في جسده وربما يفقده حياته، والعاقل من اتعظ بمن سبقوه، ولم يكن آينشتاين مبالغاً حين قال: من الجنون أن نقوم بنفس الفعل ونتوقع نتيجة مختلفة.

في الجمهوريات العربية تقتصر ضرورة المواطن على أداء الدور المسند له في رواية الديمقراطية الشكلية. فعلى العكس من جماعات الإسلام السياسي التي كانت تعتبر الديمقراطية وسيلة الاستعمال لمرة واحدة وصولاً للحكم، تكمن أهميتها لدى الرؤساء العرب ذوي الخلفية العسكرية في شكلها الديكوري الجذاب، فيُشار إليها في الدساتير الوثائقية التي تزدان بها المواقع الرسمية للدولة. أما الالتزام بأحكامها فتلك قصة أخرى، مثلها كمثل البرلمانات الصورية التي غالباً لا تدين بالولاء للشعب، بالمخالفة لما يجب أن تكون عليه، والحقيقة التي يعلمها الجميع أن الرؤساء العرب لا يأخذون من الديمقراطية سوى الشكل فقط دون المضمون، ولذلك لم تجن الشعوب أي فائدة تذكر منها.

ومع الأخذ بالاعتبار تزوير إرادته، فقد وجد المواطن العربي نفسه أمام ثلاثة اختيارات كارثية جعلت منه هذه الفريسة السهلة:

- الاختيار الأول الذي تمليه عليه الضرورات الاجتماعية الإنسانية، وبه يُسلم نفسه بإرادته إلى الإنسانة التي يرى فيها شريكة موثوقة لحياته، وقد يصيب هذا الاختيار أو يخيب، وفي جميع الأحوال فإن الرجل العربي يدخل بإرادته معتقلاً لم يألفه، وهو لدى البعض كارثة لم يكن يتمناها، إلا أنه يتعايش معها راضياً أحياناً، مضطراً غالباً.

- الاختيار الثاني، هو اختيار عضو البرلمان، حيث يأتيه المرشح باشاً ضحوكاً، مليئا بالوعود الانتخابية، ثم ما أن يصل للبرلمان، وبدلاً من أن يكون ممثلاً للشعب في مراقبة ومحاسبة الرئيس وحكومته، فإذا به يبدي كامل الولاء للرئيس، ويظهر للمواطنين الوجه القبيح ويوظف عضويته لتحقيق المكاسب الشخصية، ويدير ظهره لمن انتخبوه ويتجبر عليهم ولا يتورع في منافستهم في أرزاقهم شاهراً في وجوههم سيف الحصانة التي يستغلها أسوأ استغلال.

- الاختيار الثالث: هو اختيار الرئيس، الذي هو في الغالب أحد أبناء الشعب البسطاء، الذي وضعته المقادير في ظروف معينة جعلته الأقرب لتولي مسؤولية الدولة. وعلى نفس خطى من يترشحون لهذا المنصب، يجهد نفسه ليكسب رضاء الناس، متعهداً لهم بتغيير حياتهم إلى الأفضل، فارشاً طريقهم بالورود، مقسماً على ذلك أغلظ الأيمان، فترى الناس سكارى وما هم بسكارى، فيمنحونه أصواتهم ويسلمونه مصيرهم، وينامون سعداء بحاضرهم، مطمئنين على مستقبلهم. والنتيجة، أصبح المرشح فخامة الرئيس، وأصبح يأمر فيُطاع، ويحلم فتتحقق أحلامه، وربما تتحقق حتى قبل أن يحلم بها. وبين عشية وضحاها يتم اختصار الوطن أرضاً وماءً وسماءً في شخصه، فيغدو هو السيد ويُطلق على تصرفاته أعمال السيادة، ويتحول المواطن إلى فريسة للسيادة وجهاتها، وبدلاً من أن يكون الرئيس موظفاً لدى الشعب، فإذا بالمواطن والوطن بكامله في خدمة الرئيس.

تلك كانت الاختيارات الثلاثة التي تمثل كارثة غير محسوبة العواقب في حياة كل مواطن عربي. وإن كانت الزوجة تُصنف كمشكلة داخلية خصوصاً عند انحرافها بالسلطة، إلا أنها لا تصل لدرجة الخلاف المؤدي للصدام، ففي نهاية المطاف توجد وسائل التعايش والاستمرار. أما الاختياران الآخران، فهما من الجسامة بحيث لا يمكن التعايش معهما دون تعديل مسيرتهما، لما يمثلانه من أداة تحكم في مصير الدولة والشعب.

والخلاصة، أن الصورة القاتمة التي نراها في معظم الدول العربية ذات الأنظمة المتشابهة، قد تزداد قتامة وظلاماً إلى أقرب نهاية، ولكنها لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.