الروائي العراقي عندما يندمج في المجتمع النرويجي

محمد سيف المفتي يعمل كاتبًا روائيًا ومترجمًا ومحاضرًا ومستشارًا سياسيًا شخصيًا، وسبق له أن عمل مديرًا لمنتدى الثقافات بالنرويج.
مكتبة مصر العامة بالجيزة تستضيف المفتي لإلقاء محاضرة حول التطرف وسبل مواجهة الإرهاب
مترجم معتمد من اللغة النرويجية إلى اللغتين: العربية والكردية

بقلم: مصطفى عبدالله

التفت إلى موهبته منذ سنوات طوال، وجمعتني به عدة لقاءات هنا في القاهرة، تعرفت من خلالها على تجربته النرويجية وكيف اندمج في مجتمعه الجديد وأصبح أحد العناصر الإيجابية فيه التي يفخر بنجاحها كل عربي منا، وكان واجبًا عليّ أن أكتب معرفًا يالإنتاج الروائي لأديبنا محمد سيف المفتي، وكانت البداية مع "الجمال العربية على الثلوج النرويجية" التي صدرت في القاهرة عن دار الفكر العربي، ثم "ظالمايا" التي صدرت بعد ذلك في الأردن عن دار فضاءات، ولذلك سعدت كثيرًا عندما أبلغني السفير رضا الطايفي بأن مكتبة مصر العامة بالجيزة وجهت إليه الدعوة لإلقاء محاضرة مساء الخميس 28 فبراير/شباط 2019 حول "التطرف وسبل مواجهة الإرهاب".
والمفتي يعمل كاتبًا روائيًا ومترجمًا ومحاضرًا ومستشارًا سياسيًا شخصيًا، وسبق له أن عمل مديرًا لمنتدى الثقافات بالنرويج بين عامي: 1998 و2000. 
وقد تابع منذ سنوات الحركات الراديكالية والتطرف الإرهابي وعملية تجنيد المقاتلين، وكرَّس جهوده لسبل دمج الأقليات في المجتمع النرويجي، وهو دائمًا مشغول بقضايا حيوية مثل: حقوق المرأة، الاضطهاد، تأثير الحركات الدينية في المجتمعات المعاصرة، وسبل التغلب على مشكلات المهاجرين واللاجئين في مجتمعاتهم الجديدة، وكيفية تحقيق التأقلم وتطوير الذات للوصول إلى أفضل الأهداف المنشودة.
وكان عضو اللجنة الخارجية التابعة لحزب العمال النرويجي، وعضو مجلس بلدية ايدسفول من 2004 - 2006.
كما أنه مترجم معتمد من اللغة النرويجية إلى اللغتين: العربية والكردية، ومحاضر في مجال  التحاور بين الشعوب، وسبل تطوير أساليب التواصل والتطوير الذاتي، كما أنه مستشار لعدد من المؤسسات السياسية والاجتماعية العربية والنرويجية، وعضو مجلس بلدية اوبكورد 2018.
وقد سبق للمفتي أن حاضر في مديرية الهجرة، وفي دار الآداب النرويجية، وفي منظمات نرويجية وعربية متعددة، كما حاضر في عدد كبير من البلديات النرويجية التي تحتضن جاليات كبيرة من المغتربين واللاجئين العرب. وسأـولى تقديمه في هذه الندوة على نيل القاهرة.

تذكر "مايكل" ابتسامة أبيه الساخرة عندما كان يقول: هرمنا، وينفخ دخان سيجارته بشجن بعيدًا، ويكمل حديثه بنفس الهمة

ولد محمد سيف المفتي في نينوى بالعراق في عام 1964، وحصل على البكالوريوس في تخصص المحاصيل الحقلية الزراعة من جامعة الموصل في العام 1987، وانتقل إلى النرويج في العام 1997، حيث درس آليات الترجمة وفنونها في جامعة اوسلو في العام 2003 والتحق بعدة دورات في مجال فهم ودراسة الثقافات المختلفة، كما درس الترجمة والتواصل في المعهد العالي للترجمة في أوسلو، وحصل على ماجستير في الثروة السمكية من جامعة، وأصبح مترجمًا معتمدًا من الدولة النرويجية في العام 2015، وهي أعلى درجة تمنح في هذا المجال.
ومن المقترح أن يتناول المفتي في محاضرته في مصر: الفعل الإرهابي، وسبل مواجهمته على المستوى الدولي، وكيف تمكن تنظيم داعش الإرهابي من احتلال الموصل، ولماذا استهدف الموصل بالذات؟ وماذا عن دور الحركات الدينية فييما حدث.
وكان محمد سيف المفتي قد كتب في إحدى مقالاته عن عبدالهادي العراقي، الذراع الأيمن لأسامة بن لادن.
والمفتي عاش ثلاثة حروب في العراق، ولديه عدة مشاريع في عدة مناطق منكوبة في العالم، وأسس منظمة نرويجية باسم "كلنا معًا" قامت ببناء جسور بين الثقافات المختلفة، وهي تعمل على إنجاح مشاريع إندماج المهاجرين في النرويج.
فضلًا عن أنه روائي ولديه روايتان؛ إحداهما تتحدث عن صدام الحضارات، والثانية تتناول مشكلة التطرف. ولديه بحث حول ما يطلق عليه "التطرف الإسلامي" وكيفية استغلال الفرق، والمذاهب الإسلامية كمحرك لتأجيج الصراع في المنطقة العربية.
ومن المأمول أن تتسع محاضرة المفتي في القاهرة للإجابة عن هذا السؤال الشاغل: ماذا نفعل لتغيير مفاهيم مدينة؟ وتجربة الاغتراب، والمجتمع الجديد ومعضلة التكيف معه، وكيف يتحتم على الإنسان أن يتغير وهو في طريقه إلى المهجر؟ وكيف يمكن أن يحدث هذا التكيف مع المجتمع الجديد؟ وماذا يفعل المهاجر عندما يصطدم بالعالم الجديد؟
في روايته الأخبرة "ظالمايا" يقول:
واصل الشاب حديثه عنها مع مايكل بعد انصراف الثالث، ولم يكن يتوقف حديثه إلا عندما يغلبه السكر، وكلما صعبت ولادة كلماته يحثه "مايكل" بسؤال أو يطلب له ولنفسه فنجان قهوة جديد متآمرًا على سكرتيهما.

حكى الشاب عن وجع مدينة تئن من جراحها العميقة، التي تحولت بمرور الزمن إلى ندب تنزف لأبسط لمسة، كان "مايكل" يحس بصدق كلماته متيقنًا من أن الحزن في "باكورستان" و"ظالمايا" قد ازداد تطرفًا عمّا كان عليه في زمن أبيه.
سكت الغريب للحظة، فشعر "مايكل" بأن الكون قد هجع وهو غارق في ذكرياته البعيدة، سأله إن كان يستطيع مقابلته مجددًا؟ فأجاب الشاب وهو يمد يده مصافحًا:
"ستجدني في هذا المقهى التعيس كل يوم"، ثم تابع وهو يتحسس جيبي بنطاله :
"أنا أبو مريم، اسأل عني أي عربي تجده هنا سيدلك".
وأجابه "مايكل" مادًا يده وهو ينظر في عينيه:
"أنا مايكل الشاذلي".
تصافحا بحرارة قبل أن يغادر "مايكل" المكان.
لم يسأل عن اسم "أبو مريم" الصريح. لأن حال ذلك المقهى هو حال معظم مقاهي الأجانب، التي يعرف معظم روادها بعضهم البعض بأسماء الكنية للضرورات الأمنية.. معظمهم بدون إقامات ومصادر رزقهم مجهولة.
منذ الأزل وقريتي في أسفل الوادي الأخضر، لا يتذكر جيلي ولا حتى الأجيال الأخرى أنها كبرت أو صغرت.. عوامل التعرية قد فعلت فعلها وتكفل الفقر بصيانة الخراب فيها..
نتفاخر بتاريخ من الخيال؛ تاريخنا خالٍ من الأمجاد، نحن محمومون بقصص "أبو ماجد الحطاب"، رجل لا أعلم ما ابتكره من بطولات رجالات سكنوها، يذكر لنا الآباء والأجداد كيف وقف "أبو ماجد" وحده في وجه الجيش الأعجمي، رغم أنه لا يوجد مؤرخ يؤكد هذه البطولات، قصص توارثناها جيلًا بعد جيل.
أما متى عاش ومتى مات فهذا أمر تختلف حوله الآراء، لذا بات رمزًا يمثل لنا البطولة والشهادة في كلّ الأزمان... إنه هرمنا".
تذكر "مايكل" ابتسامة أبيه الساخرة عندما كان يقول: هرمنا، وينفخ دخان سيجارته بشجن بعيدًا، ويكمل حديثه بنفس الهمة.