الروائي يهز رأسه بمكر والشاعر يرتعش

المقالات تجمع بين السيرة الذاتية والقص والطاقة الشعرية وكان رأي الروائي الكبير أنها كتابة سردية بامتياز.


أحفظ الشعر من تيهه للأبد بين جبال ووديان وبحور القص.


رجعتُ لمرآتي ونظرتُ لها طويلاً لتتكلم هي وتكشفني أمام ذاتي


مادتي الخام هي الكوابيس والأرواح المختبئة في التفاصيل العادية

كانت الجِلْسةُ دالةً ومعبرة عن وضعيتي المتراوحة بين الاقتراب والابتعاد عن اعتماد السرد كشكل أسكبُ فيه نفسي وأُظهرها للعلن عاريةً وبلا زخارف. 
كنتُ بين الروائي الكبير والشاعر الكبير ومناسبة الحديث مقالاتي التي كانت الكاتبة عبلة الرويني إبان رئاستها لتحرير جريدة أخبار الأدب المصرية، تفرد لها صفحتين كاملتين، هذه المقالات كانت تجمع بين السيرة الذاتية والقص والطاقة الشعرية وكان رأي الروائي الكبير أنها كتابة سردية بامتياز وأنها تشير بجلاء على السارد المختفي تحت أعطاف الشاعر غزير الإنتاج، لكنهُ سيطلُعُ قريباً، تفاجئتُ قليلاً وبدأتُ في تذكر كتابات مشابهة لي، شهادات إبداعية وثقافية، قيل بعدها ما يُعَضِّد هذا الرأي وبدأتُ في سؤال نفسي بصوتٍ عالٍ إن كان هذا الأمر حقيقياً داخلي أم أن الأمر لا يعدو كونه مجرد استراحات للمحارب بين الوقت والآخر إلى أن أوقفني الشاعر الكبير نافياً الأمر بحماس مؤكداً أنني شاعرٌ "باطني" وأن نظرتي الشعرية تبدأ من الأبعاد المخفية والبعيدة عن السطوح في الإنسان، وأن مادتي الخام هي الكوابيس والأرواح المختبئة في التفاصيل العادية، ولهذا سأظل حتى النهاية متوتراً وأعاني من النوم العصي ومن أمراضي العضوية الغامضة وأن وضعية كهذه يستحيل معها أن يختار هذا المسكين الدخول في تجربة سردية قد تستغرق شهوراً أو سنواتٍ، لأنه بهذا سيخلق هواجس جديدة وكبيرة هذه المرة ولن تتحملها نفسية من يحترق ليُفْرِزَ قصيدة أو بالأحرى كابوساً ثم يهدأ ليعاود التنفس وتحريك أعضائه.
من هنا رجعتُ لمرآتي ونظرتُ لها طويلاً لتتكلم هي وتكشفني أمام ذاتي: أمضيتَ عمراً تقاوم فكرة أن تحكي وتحكي فقط لتحافظ على الشاعر القابع داخلك، مع أن الأمر منضغم بشكل لافت، حيث إن انطوائي الذي بدأ منذ أيام اغترابي مع الأهل في المدينة الصحراوية البعيدة وقلة تواصلي مع الآخرين، يبدو محتاجاً طول الوقت للتعويض والحكي، للسرد الذي يستلهم حيوات الآخرين وفي الخلفية دقائقه هو، لإخراج التأملات في المصائر والتفاصيل والذكريات لتظهر على هيئة حكايات تذوب أو تمرح فيها الحياة الشخصية، تلك الحياة المتقطعة في سيرورتها بين الحفر الواطئة والسحاب الهارب والتي كانت فجواتها وانفجاراتها قصيرة النَفَس لا تناسب إلا القصيدة رغم أنها تترك الأثر العميق للبئر المملوءة على الدوام بالخوف والأسئلة.

فنون تشكيلية
من أعمال الفنان المصري عبدالهادي الجزار

كأني كنت أحفظ الشعر من تيهه للأبد بين جبال ووديان وبحور القص، وكنت أربي يقيني بأن باب البئر لو فَتَحَتْهُ الريح لن يُغْلَق مرة أخرى وستضيع السطور المشَّعرة والمجازات في الغابة الغامضة.
لكن هل أنا سعيد بنضالي العجيب هذا؟ بالطبع لا ومما يزيد الأمر سوءاً أن الشاعر في نهاية الأمر يعاني من تهميش الشللية والمصالح والحصار أحياناً بالمقارنة مع ترحيب دور النشر بنشر الروايات وتكريس جوائز كبيرة وعديدة للرواية في كل مكان.
الشاعر فقير ويتمنى الانتشار والسفر كي يَسْعَدَ هو والجوائز كي يُسعِدَ أطفاله ويُوسِّع عليهم، لكن هذه الإغراءات لم تنجح على الدوام – ربما لأنها بهذا الوضوح – في أن يترك الشاعر نفسه للروائي المتحفز داخله كي لا يُحِسُّ يوماً بأنه قاتلٌ تخلّى عن ذلك المرتعش الضعيف الذي يكاد يلمس الكون بريشةٍ حِبْرها قليل، عن عِشرة عمره وأخيه وظِلِّه المغترب للأبد.
لكن يظهر طيف ماكر من المرآة ويقول إذن لماذا لا تجمع بين الشكليْن مثل الكثير من الأسماء التي تَمَيَّزَت فيهما معاً ويردُّ طيفٌ آخر، ماكرٌ أيضاً، بهمهماتٍ تخصُّ كائناً ينامُ ويحلمُ بوحشٍ يبتلعهُ ويضحك.