"الرواية والمدينة" يستكشف أنماط علاقة روائيين مصريين بمدنهم

حسين حمودة يرصدُ التأثير والتأثّر المتبادلين بين الرواية والمدينة في مصر من خلال إبداع كتاب فترة الستينات.


المدينة ليست مجرد شوارع وبنايات، وإنما أيضا روح تسري في اللغة والفن والأدب


المدينة أطلت من بعيد على عالم غير مديني في روايات الستينيين

القاهرة ـ من أحمد رجب

"ماذا تكون المدينة سوى البشر؟" هكذا تساءل ويليام شكسبير مؤكدا على عمق العلاقة بين الإنسان ومدينته، وهي العلاقة التي قصدها ابن خلدون حينما تحدث عن المدينة بوصفها "تساكنا" لا "سكنا"، فالمدينة ليست مجرد شوارع وبنايات، وإنما هي أيضا روح تسري في اللغة والفن والأدب، وقد تجلت في الرواية باعتبارها فنا مدينيا بامتياز، فالرواية وفقا لرؤية د. جابر عصفور هي "التجسيد الإبداعي للوعي الذي لا ينبثق إلا في مدينة تنبني على التنوع والتعدد، وتمتلك من علاقات المعرفة وأدواتها ما يتيح لها إمكانات التقدم التي تقوم على تفاعل التحديث والحداثة، الأول من حيث هو تطوير لأدوات الإنتاج الأساسية في المجتمع، والثانية من حيث هي اللحظة المعرفية التي تتمرد فيها الأنا الفاعلة للوعي على طرائقها المعتادة في الإدراك".
وقد حظيت تلك العلاقة بين المدينة والرواية مؤخرا باهتمام النقاد والدارسين، فأنتجت دراسات عديدة من أكثرها تميزا دراسة الدكتور حسين حمودة، "الرواية والمدينة: نماذج من كُتّاب الستينيات في مصر" (الهيئة المصرية العامة للكتاب) وفيه يرصدُ التأثير والتأثّر المتبادلين بين الرواية والمدينة  في مصر ومن خلال إبداع كتاب فترة الستينات.
يسعى الكتاب إلى استكشاف ملامح تلك العلاقة على مستوى التطورات التي صاغت الانتقالات الأساسية في مسار كلتيهما، وعلى مستوى البنية التي انتظمت عناصر تكوينيهما، وأيضا على مستوى  الأشكال والكيفيات التي تحقق بها التفاعل بينهما.                                                        
ومن بين ما استكشفته الدراسة تلك الموازاة القائمة بين تاريخ المدينة وتاريخ الرواية فنًّا ومضمونا، وقد حصرَ الباحث علاقةَ روايات كُتّاب الستينيات في مصر بالمدينة في أربعة أنماط.

موروث كل من الرواية والمدينة يشير إلى نوع من موازاة البنية، وأن سمات "الحراك" و"التنوع" و"المرونة" من المكونات الأساسية التي تصوغ شكليهما

المدينة النائية
وفيه تمّ تناول ثيمة المدينة من خارجها، فقد أطلت المدينة من بعيد على عالم غير مديني في روايات الستينيين كما في فساد الأمكنة لصبري موسى وروايات خيري شلبي ومحمد البساطي ويوسف القعيد ومجيد طوبيا، ورغم تناول هذه الروايات لبيئات غير مدينية إلا إنها لم تخل من إشارات تؤكد حضور المدينة بما يؤكد امتداد سطوتها إلى ما هو خارجها في الصحراء والساحل والريف. وتتعدد وتتباين صور المدينة في هذه الروايات، وتقترن بدلالات شتى واضحة أحيانا وغامضة مراوغة أحيانا، لكنها دائما تنطلق من موقع ينتمي إلى خارج المدينة.
وقد تتجسد المدينة النائية في بعض الروايات خلال صورة تضاد صريح مع الريف كما في روايات عبدالحكيم قاسم وخصوصا في "أيام الإنسان السبعة".
المدينة في المدينة
النمط الثاني يسميه الناقد "المدينة في المدينة" وفيه تفصيل لكيفية تناول الرواية لثيمة المدينة من داخلها إمّا خلال الاحتفاء بخصوصيتها الشرقية من خلال أعمال تاريخية تضع المدينة في مواجهة القلعة مثل الزيني بركات لجمال الغيطاني وقلعة الجبل لمحمد جبريل، حيث تتجسد صور متعددة للقلعة كلها تؤكد معاني القهر والتسلط والهيمنة على المدينة، وفي نفس الوقت الانفصال عنها والتعالي عليها، وفي المقابل تجسدا صورا للمدينة ترتبط بالفقر والخوف والاستسلام المتصل، والمعلم الوحيد فيهما لعلاقة القلعة بالمدينة كعالمين متناقضين يتمثل في الهيمنة.
أما الزقاق كجزء من تكوين المدينة الشرقية فترصده الدراسة من خلال رواية "زقاق السيد البلطي" لصالح مرسي، وفيها ينتمي الزقاق إلى البحر بقدر ما ينتمي إلى المدينة فيبدو نتاجا لتفاعلهما معا، وهو يمثل إطارا جمعيا يفصل عالمه عن كل عالم آخر، ويؤكد شعورا بالانتماء بداخله، بحيث يبدو الزقاق مستقلا بأعرافه وتقاليده وخرافاته وأساطيره وهمومه عن ذلك العالم الآخر خارجه، الذي يشار إليه ويتم الاتصال به لكن دون اندماج فيه.
وتتوقف الدراسة عند "الوكالة" كمفردة مرتبطة تاريخيا بالمدينة الإسلامية تفاعلت معها الرواية من خلال "وكالة عطية" لخيري شلبي، حيث يحيا ساكنو الوكالة على الحافة بين اللذة والفناء، وزمنهم الاحتفالي الكرنفالي يبدو وكأنه خارج الزمن، وهو عالم تجتمع فيه المتناقضات محددة منظور أبناء الوكالة إلى ما هو خارجها، خالقين مدينتهم الخاصة التي ترفض المدينة الراهنة.
أما في "مالك الحزين" لإبراهيم أصلان فتتجسد المدينة الشرقية باعتماد "المقهى" مركزا بنائيا روائيا، فهو في الرواية ليس مكانا وضفيرة من العلاقات بين الشخصيات فحسب بل هو أيضا اختزال لحركة زمن تتغير فيه المصائر، ولعوالم مفتوحة على أماكن قريبة، فضلا عن حضورة كشخصية مهددة بالزوال. 

الرواية والمدينة
التحضر المديني 

أما روايات علاء الديب فتقدم صورة للمدينة – الخواء، برصدها لنماذج من الاغتراب متعدد المستويات، وبرسمها لصورة للخواء الكامل الذي يوازيه راوٍ متوحد وافد إلى المدينة من غير عالمها، أو قادم إليها بعد سفر عنها، فيضيع بين شوارعها ويكابد خواءها معزولا عن زمنها الراهن، ومستسلما لنوع من اللامبالاة كأنما يتفرج على المدينة.
تغيّر المدينة وتمثلاتها
وفي النمط الثالث "تغيّر المدينة" يتجلّى الاهتمامُ السردي بتغير المدينة في عقدي السبعينيات والثمانينيات، فتغير المدينة في "ذات" لصنع الله ابراهيم، و"بلد المحبوب" ليوسف القعيد، و"البصائر في المصائر" لجمال الغيطاني يوازي تغير القيم والأحوال والتطلعات ويمثل في ذات الوقت محورا أساسيا للتناول الفني فيها. كما يحضر هامش المدينة مركزا روائيا أساسيا كما في النزول إلى البحر لجميل عطية إبراهيم، مشيرا إلى ملمح خاص بالقاهرة في هذين العقدين اللذين شهدا مزيدا من التهميش وسكنى المقابر ونمو العشوائيات على أطراف المدينة.
أما النمط الرابع وهو تمثّلات المدينة فقد تركّز البحث فيه حول تمثّل الرواية عالَم المدينة تمثُّلا خاصّا صاغت بفضله مُدنَها الخيالية الخاصّة، ففي عدد من روايات كتاب الستينيات اتخذت المدينة شكلا خاصا من أـشكال الحضور، غابت معه بعض حقائقها المرجعية، بحيث تبدو هذه الحقائق خاضعة لمنظور ذاتي يعيد تشكيلها من جديد، فتبدو المدينة سجنا كما في "تلك الرائحة" لصنع الله إبراهيم، و"مأساة العصر الجميل" لضياء الشرقاوي، و"قدر الغرف المقبضة" لعبدالحكيم قاسم.
وترتبط المدينة بالوعي الذي يقود إلى مظاهرات تعصف بإيقاع المدينة المتواتر، وتدمج مفرداتها المكانية في تيار من غضب استثنائي بحيث تبدو المدينة كلها ساحة قائمة على المشاركة والتلاحم متجاوزة علاقاتها السائدة القائمة على الانفصال بين الفرد والآخرين، كما في رواية "شرق النخيل" لبهاء طاهر. وخلصت الدراسة إلى أن موروث كل من الرواية والمدينة يشير إلى نوع من موازاة البنية، وأن سمات "الحراك" و"التنوع" و"المرونة" من المكونات الأساسية التي تصوغ شكليهما، كما تقدم تفسيرا لتزايد وانتشار ظاهرة التحضر المديني من ناحية، وازدهار فن الرواية من ناحية أخرى. (وكالة الصحافة العربية)