الزجاج المعشّق في دمشق: بين الضوء والحرفية والتاريخ
دمشق – في ركن من أركان جناح مديرية الثقافة بدمشق، داخل أروقة معرض دمشق الدولي للكتاب، كان الزوار يتوقفون بدهشة أمام بريق الزجاج وتداخل ألوانه. لم يكن مجرد عرض فني عابر، بل نافذة على تاريخ طويل وحرفة أصيلة تروي قصة دمشق وجذورها العميقة في الفن والحضارة. هناك، أمام لوحات الزجاج المعشّق، تلتقي العراقة بالحس المعاصر، ويتجلى التراث الدمشقي في أشكال وألوان تحاكي الهوية الوطنية وتكشف عن براعة الحرفيين السوريين عبر العصور.
الزجاج المعشّق حرفة تقليدية، وفن قائم على دمج الضوء بالزجاج، وإحياء المشاهد التاريخية والزخارف الإسلامية في ألوان تنبض بالحياة.
ويُعد هذا الفن من أقدم الحرف الدمشقية التي توارثتها الأجيال، حيث يمتد تاريخها لعقود طويلة منذ العهد الأموي مرورًا بالعصر العثماني وصولا إلى العصر الحديث، مع الحفاظ على تقنيات أساسية مثل تقطيع الزجاج و"الجلخ" وتجميع القطع باللصق النحاسي والقصدير.
وأوضح الحرفي عبدالله صوفية، أحد رواد هذه الحرفة في دمشق، في حديثه لـوكالة الأنباء السورية "سانا" أن مشاركته في المعرض تأتي ضمن جهود لإعادة إحياء هذا التراث الفني العريق، وتحويله إلى تجربة معاصرة تلائم الذوق الحديث دون المساس بأصالته.
وقال صوفية "لقد ورثت الحرفة عن والدي وجدّي، وهدفي هو تقديمها بطريقة تسمح للجيل الجديد بالتعرف على جمالها وفهم قيمتها الفنية والثقافية".
وخلال المعرض، يعكف صوفية على تنفيذ قطعة فنية تحمل اسم "الوردة الشامية"، وهي مستوحاة من التراث الدمشقي الأصيل، لكنها مزجت بين التصميم التقليدي والأدوات الحديثة. ويستخدم صوفية في العمل التكنولوجيا الحديثة في مراحل محددة، مثل التصميم الحاسوبي وتقطيع "الفينيل" آليًا، إلا أنه يظل متمسكًا بالمهارات اليدوية في التعامل مع الزجاج، لضمان دقة القطع وتجانس الألوان، وتحقيق التناغم البصري الذي يميز كل لوحة.
ويُعد الزجاج المعشّق في دمشق أكثر من مجرد حرفة، فهو امتداد للزخارف الإسلامية التي تزين القباب والمساجد والحشوات الخشبية في البيوت الدمشقية القديمة. ويتطلب إنجاز أي قطعة فنية وقتًا يتفاوت حسب تعقيد التصميم، فالمستوى الأعلى من التفاصيل الدقيقة يحتاج إلى أسابيع أحيانًا لإتمامه، بينما تتطلب التصاميم الأبسط أيامًا معدودة.
من جانبها، أشارت الفنانة التشكيلية رغد سويد، خريجة كلية الفنون الجميلة، إلى أن مشاركتها في المعرض تهدف إلى تسليط الضوء على البعد الفكري والجمالي للزجاج المعشّق. وقالت سويد "الرسم على الزجاج ليس مجرد وضع ألوان على سطح شفاف، بل هو عملية هندسية وفنية دقيقة، تتطلب دراسة متأنية لتنسيق الألوان ووضع المخططات الأساسية قبل البدء بتنفيذ أي قطعة، لضمان تحقيق الانسجام البصري والتناغم الذي يميز هذا الفن".
وتابعت سويد موضحة أن المعرض يعد منصة تعليمية بصرية للزوار، لا سيما طلبة الفنون والهواة، من خلال تقديم نماذج حية للعمل الفني وتوضيح العلاقة الوثيقة بين الفنون والعلوم، مثل الهندسة والرياضيات، والتي تبرز بوضوح في قياس الزوايا وتقسيم الأشكال الهندسية لتكوين اللوحات المعقدة.
الزوار من جانبهم لم يخفوا إعجابهم بالحرفة العريقة. أحمد قوادري، أحد متابعي المعرض، قال "الزجاج المعشّق ليس مجرد حرفة يدوية، بل هو فن يعكس الذوق الرفيع والرقي. أحب متابعة أعمال الحرفيين الدمشقيين، وزيارة ورشاتهم لمعرفة تفاصيل العمل عن قرب، لأنه مرتبط بتاريخنا وثقافتنا، ويمنحنا فهمًا عميقًا للحياة وجمالياتها".
تجربة الزجاج المعشّق في معرض الكتاب لم تكن مجرد عرض للزوار، بل كانت فرصة للتفاعل مع عملية الإبداع نفسها. فالزوار يشاهدون عن قرب كيفية اختيار الألوان، وقطع الزجاج، وترتيب القطع داخل الإطار النحاسي، ثم اللحام بالقصدير، ومتابعة كل خطوة بدقة، لتكتمل اللوحة التي تعكس تاريخ دمشق وتراثها المعماري والثقافي.
ويضيف هذا الفن بعدًا معرفيًا، إذ يتطلب معرفة بالتراث الزخرفي الإسلامي والأنماط الهندسية الشرقية، إضافة إلى الحس الفني الذي يدمج بين التقليدي والمعاصر. ويعد هذا الدمج بين التاريخ والابتكار سببًا رئيسيًا في بقاء حرفة الزجاج المعشّق حيّة ومواكبة للزمان، كما يؤكد صوفية "الحرفة تتطور مع التكنولوجيا الحديثة، لكن روحها التقليدية تبقى ثابتة، وهنا يكمن سحر الزجاج المعشّق الدمشقي".
ويمثل الزجاج المعشّق نافذة على التاريخ السوري، ويتيح للجيل الجديد التعرف على فنون أسلافهم، وفهم أهمية الحرف اليدوية في نقل المعرفة والخبرة عبر الأجيال.
ويشير ذلك إلى الدور الذي تلعبه الفعاليات الثقافية مثل معرض دمشق الدولي للكتاب في تعزيز التراث المحلي، وإبراز الحرف والفنون التقليدية أمام جمهور واسع ومتعدد الأعمار.
ويشهد المعرض إقبالًا كثيفًا من الزوار يوميًا، الذين لا يكتفون بمشاهدة الكتب والأنشطة الثقافية، بل يسعون لتجربة الحرف والفنون التقليدية، مثل الزجاج المعشّق والخزف والخياطة التقليدية، في تفاعل حي يربط بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي. وتبرز هذه المشاركة أهمية الدمج بين التعليم الفني والمعارض الثقافية في صقل الذائقة الفنية وتعزيز الوعي التراثي لدى الجمهور.
ويمكن القول إن الزجاج المعشّق في دمشق يمثل أكثر من مجرد حرفة تقليدية، إنه جسر بين الماضي والحاضر، بين الحرف اليدوية والتكنولوجيا، بين الفن والفكر، وبين الضوء والظل. ومن خلال مشاركة الحرفيين والفنانين في المعارض والفعاليات الثقافية، تظل هذه الحرفة حية، حاملةً معها عبق التاريخ وروح الإبداع الدمشقي الأصيل، لتستمر في إشراقها على مر العصور.


