الزيدي يدشن أكبر حملة اعتقالات بحق سياسيين مشتبه بهم في قضايا فساد

رئيس الوزراء العراقي يترجم تعهداته بمكافحة الفساد بمجموعة من الإجراءات الجديدة، شملت تعزيز صلاحيات الأجهزة الرقابية والقضائية، وتفعيل أوامر القبض بحق شخصيات نافذة.
ضبط أكثر من 98 مليار دينار كانت مخبأة تحت الأرض بمنازل بعض المعتقلين
المالكي يدعم الحملة داعيا للمضي إلى النهاية
ائتلاف السوداني يحذر من حملات التشوية
مرجعية النجف تشدد على أن الإصلاح الحقيقي يتطلب مكافحة الفساد

بغداد – دشن رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي أكبر حملة اعتقالات بحق سياسيين ونواب بالبرلمان ورجال أعمال يشتبه في تورطهم في قضايا فساد، في خطوة وُصفت بأنها الأوسع منذ سنوات ضمن جهود مكافحة الفساد في البلاد.

وأفادت مصادر أمنية بأن  قوة مشتركة تضم جهاز مكافحة الإرهاب والجيش العراقي وأجهزة أمنية مختصة بقضايا النزاهة أغلقت صباح اليوم الأحد مداخل المنطقة الخضراء المحصنة - التي تضم مبنى البرلمان ومقار حكومية وبعثات دبلوماسية - تزامناً مع حملة دهم وتفتيش واسعة طالت منازل نواب وسياسيين ورجال أعمال، فيما خصص الاستثناء الوحيد للخروج من المربع الحكومي لحاملي البطاقات الامتحانية، مع إخضاع المغادرين لإجراءات تدقيق صارمة.

ونقلت وكالة الأنباء العراقية عن مسؤول كبير قوله إن قوات الأمن اعتقلت 47 مشتبها فيه، بمن فيهم أعضاء في البرلمان ومسؤولون حكوميون.

وشملت قائمة المعتقلين كلا من رئيس تحالف عزم عضو مجلس النواب مثنى السامرائي، والنواب بالبرلمان زياد الجنابي، بهاء النوري، محمد الكربولي، عالية نصيف، محمد جميل المياحي، حسن الخفاجي، عبدالرحمن اللويزي، مضر الكروي، هند العباسي، محمد فرمان الجبوري، بشرى القيسي، وعضو مجلس النواب السابق محمد الصيهود ووكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع علي معارج وإبراهيم الصميدعي، وفق وكالة الأنباء الرسمية العراقية ''واع".

وانتشرت بشكل واسع على مواقع التواصل مشاهد المداهمات وسط انتشار أمني مكثف في المنطقة الخضراء.

ووفقا للمصادر، فإن حملة الاعتقالات لم تتركز على المنطقة الخضراء والشعب فحسب، بل شملت عددا من المناطق من ضمنها "اليرموك وزيونة والمنصور".

وتأتي هذه الإجراءات المشددة غير المسبوقة، بالتزامن مع تواتر الأنباء عن صدور قائمة ملاحقات قضائية موسعة تستهدف مسؤولين بارزين، وعناصر حمايات، ورجال أعمال على خلفية اتهامات بالكسب غير المشروع وهدر المال العام. في سياق تعهدات أطلقها الزيدي عقب تسلمه منصبه، أكد خلالها أن مكافحة الفساد ستكون "معركة الدولة الأولى"، وأن استعادة الأموال العامة ومحاسبة المتورطين تمثلان شرطاً أساسياً لإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

واعتمدت حكومة الزيدي على مجموعة من الإجراءات الجديدة، شملت تعزيز صلاحيات الأجهزة الرقابية والقضائية، وتفعيل أوامر القبض بحق شخصيات نافذة، وإعادة فتح ملفات فساد قديمة كانت مجمدة لسنوات، إلى جانب تشديد الرقابة على العقود الحكومية والمشاريع الكبرى.

كما تسعى الحكومة إلى توسيع التعاون بين المؤسسات الأمنية والهيئات الرقابية والقضاء، بهدف ملاحقة شبكات الفساد التي تعمل عبر مؤسسات متعددة، واسترداد الأموال المهربة إلى الخارج.

وأعلن مجلس القضاء الأعلى الأسبوع الماضي، تفاصيل تطورات في قضية وكيل وزير النفط عدنان الجميلي المعتقل على ذمة قضايا فساد، مع صور جديدة من عمليات ضبط أموال ضخمة بلغت أكثر من 100 مليار دينار.

ونقل مجلس القضاء عن قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية قوله، إنّ التحقيقات في قضية "وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية المتهم الموقوف عدنان الجميلي، أسفرت عن إلقاء القبض على محافظ صلاح الدين الأسبق ومدير الصحة فيها حاليًا رائد الجبوري، بناءً على اعترافات أدلى بها الجميلي أثناء استجوابه".

وأضاف القاضي المختص، أن "استمرار التحقيقات في هذه القضية ونتيجة للمتابعة الدقيقة لضبط المتحصلات المالية الناتجة عن الهدر الحاصل بالمشاريع المنفذة من المتهم وأطراف القضية، فقد تم في ضبط مبالغ مالية نقدية بلغت أكثر من 67 مليار دينار ومليون دولار، كانت مخبأة في منازل عدد من الأشخاص، وتحت الأرض بعمق أربعة أمتار".

وأوضح أنّ "العثور عليها تم بعد حفر الارض بآليات متخصصة ليتجاوز مقدار المبالغ المالية التي تم ضبطها في القضية مبلغ 98 مليار دينار، و11 مليون دولار".

كذلك شملت الإجراءات القانونية في تلك القضية "ضبط وحجز 70 عقاراً و21 سيارة حديثة، إلى جانب مصوغات ذهبية تقدر بنحو 3 كيلوغرامات".
وتمثل الحملة الحالية محاولة لاستعادة ثقة الشارع العراقي، الذي شهد خلال السنوات الماضية موجات احتجاج واسعة احتجاجاً على الفساد وتردي الخدمات والبطالة. ويأمل كثير من العراقيين أن تؤدي الإجراءات الأخيرة إلى إرساء مبدأ المحاسبة، بعيداً عن الانتقائية أو الاعتبارات السياسية.

ويرى محللون أن نجاح الحملة لا يقاس بعدد أوامر الاعتقال فقط، وإنما بقدرة الحكومة على تحويل الملفات إلى أحكام قضائية نهائية، واسترداد الأموال المنهوبة، ومنع إعادة إنتاج شبكات الفساد داخل مؤسسات الدولة.

وحصدت الحملة الواسعة زخماً سياسياً متصاعداً، مع توالي بيانات الدعم من قوى سياسية بارزة وصدور مواقف تؤكد انسجامها مع توجهات المرجعية الدينية في النجف، في مؤشر على اتساع الغطاء السياسي والمؤسساتي للتحرك الحكومي الذي يعد الأكبر من نوعه منذ سنوات.

وأعلن زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي دعمه الكامل لحملة "الفجر" التي أسفرت عن اعتقال عشرات المتهمين، داعيا رئيس الوزراء والقضاء إلى المضي في ملاحقة الفاسدين "حتى النهاية"، معتبراً أن هذه الخطوة طال انتظارها من العراقيين الذين أنهكتهم ملفات الهدر والفساد.

ولم يقتصر التأييد على المالكي، بل أكد ائتلاف دولة القانون، عبر متحدثه عثمان الشيباني، دعمه الكامل للإجراءات الحكومية، مشدداً على أن تفشي الفساد كان سبباً رئيسياً في تعطيل مشاريع التنمية واستنزاف موارد الدولة، وأن المرحلة الحالية تستوجب محاسبة جميع المتورطين دون استثناء أو تمييز، بما يعزز هيبة الدولة وسيادة القانون.

وأعلن ائتلاف الإعمار والتنمية، بزعامة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، مساندته للإجراءات الحكومية والقضائية، داعياً إلى تحييد الملف عن التجاذبات السياسية، والاعتماد على المعلومات الصادرة عن الجهات الرسمية، محذراً من حملات التشويه التي قد يلجأ إليها المتضررون من الحملة بهدف التأثير على الرأي العام أو التشكيك في مسارها.

ويعكس هذا التوافق بين قوى سياسية كانت تتنافس في مراحل سابقة إدراكاً متزايداً لحساسية ملف الفساد، في وقت تواجه فيه الحكومة اختباراً يتعلق بقدرتها على تحويل الحملة من تحرك أمني واسع إلى مسار قضائي متكامل ينتهي بإصدار أحكام واسترداد الأموال المنهوبة.

كما اكتسبت الحملة بعداً معنوياً إضافياً بعد تأكيد مصدر مقرب من المرجعية الدينية العليا في النجف أن موقف المرجعية من مكافحة الفساد ثابت ولم يتغير، مشيراً إلى أن بياناتها السابقة شددت باستمرار على ضرورة محاربة الفساد، وترسيخ سيادة القانون، واعتماد الكفاءة والنزاهة في إدارة مؤسسات الدولة، باعتبارها ركائز أساسية لبناء عراق مستقر.

ويُنظر إلى هذا التأكيد على أنه يمنح الحملة غطاءً أخلاقياً ودينياً، خصوصاً أن المرجعية كانت على مدى السنوات الماضية من أبرز الجهات التي دعت إلى الإصلاح الإداري ومحاسبة الفاسدين، وربطت أي مشروع للإصلاح الحقيقي بإنهاء منظومة الفساد وتعزيز مؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن اتساع دائرة التأييد السياسي والديني يرفع سقف التوقعات الشعبية من الحكومة، لكنه في الوقت ذاته يزيد حجم الضغوط عليها، إذ سيقاس نجاح الحملة بقدرتها على الاستمرار دون انتقائية، ووصولها إلى جميع المتورطين بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو مواقعهم السابقة، بما يحولها إلى نقطة تحول في مسار مكافحة الفساد في العراق، لا مجرد حملة مؤقتة سرعان ما تخفت مع مرور الوقت.