السباق الانتخابي يرسم توازنات جديدة بين أربيل والسليمانية

الزخم العددي والسياسي يعكس رهانات مزدوجة: داخلية تتعلق بإعادة توزيع موازين القوى في الإقليم، وخارجية ترتبط بتثبيت موقع الأحزاب الكردية في بغداد بعد تراجع تأثيرها في السنوات الأخيرة.

أربيل - تشهد الساحة السياسية في إقليم كردستان العراق سباقاً انتخابياً محتدماً يُنتظر أن يكون الأكثر حدة منذ عام 2003، مع دخول 301 مرشح كردي غمار المنافسة على 46 مقعداً مخصصاً لمحافظات الإقليم الأربع ضمن الانتخابات البرلمانية العراقية المقررة في 11 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

وهذا الزخم العددي والسياسي يعكس رهانات مزدوجة: داخلية تتعلق بإعادة توزيع موازين القوى في الإقليم، وخارجية ترتبط بتثبيت موقع الأحزاب الكردية في بغداد بعد تراجع تأثيرها في السنوات الأخيرة.

ويخوض الحزبان الرئيسيان: الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة بافل طالباني، غمار المنافسة بكتل انتخابية كبيرة دون تحالفات معلنة، في مشهد يوحي باستمرار الانقسام السياسي الذي عمّق أزمات الإقليم منذ انتخابات 2024.

وفي أربيل ودهوك، يتوقع أن يحتفظ الحزب الديمقراطي الكردستاني بصدارة المشهد بفضل قاعدته التنظيمية الراسخة، بينما يسعى الاتحاد الوطني إلى تعويض خسائره السابقة عبر تعزيز حضوره في السليمانية وكركوك.

ويأتي إلى جانب الحزبين التقليديين، قوى جديدة تحاول كسر الثنائية التاريخية التي هيمنت على القرار الكردي، أبرزها تيار "هه ‌لويست /الموقف الوطني"، الذي يسعى لتقديم خطاب احتجاجي معتدل يستقطب الجيل الشاب، وحراك "الجيل الجديد" الذي تراجع نفوذه في ظل أزمات داخلية واتهامات تطال زعيمه شاسوار عبدالواحد.

كما يشارك الاتحاد الإسلامي الكردستاني وجماعة العدل الكردستانية بخطاب ذي طابع اجتماعي محافظ.

وفق بيانات المفوضية العليا للانتخابات، يتوزع الثقل الانتخابي في الإقليم على ثلاث محافظات رئيسية: أربيل (16 مقعداً)، دهوك (12 مقعداً)، والسليمانية وحلبجة (18 مقعداً).

أما عدد الناخبين في كردستان فيبلغ أكثر من ثلاثة ملايين ناخب من أصل 21 مليون ناخب مؤهل في عموم العراق، ما يجعل الإقليم كتلة انتخابية مؤثرة، لكنها منقسمة سياسياً، وهو ما يحدّ من وزنها التفاوضي في بغداد.

ويرى مراقبون أن الانتخابات المقبلة تمثل اختباراً مزدوجاً للأحزاب الكردية: داخلياً لتحديد من يقود الإقليم في المرحلة المقبلة بعد تعثر تشكيل حكومة كردستان منذ أكثر من عام، وخارجياً لتوحيد الموقف السياسي في العاصمة الاتحادية بعد سنوات من الانقسام بشأن ملفات النفط والموازنة ورواتب الموظفين.

ويشير المحلل السياسي الكردي ياسين عزيز إلى أن "غياب التحالف الكردستاني الموحد أضعف التأثير الكردي في بغداد"، لكنه يتوقع "عودة التفاهمات بعد الاقتراع لضمان مكاسب الإقليم في الحكومة الجديدة".

وتكتسب هذه الانتخابات بُعداً خاصاً لأنها تأتي في ظل فتور العلاقة بين أربيل وبغداد، بعد تعثر صرف رواتب موظفي الإقليم والخلافات حول تقاسم الإيرادات النفطية، وهو ما يجعل نتائج التصويت مؤشراً على شكل العلاقة المقبلة بين الجانبين.

وتمثل معركة الـ46 مقعداً في إقليم كردستان أكثر من مجرد سباق انتخابي، فهي استفتاء على أداء القوى التقليدية، ومقياس لمدى استعداد الشارع الكردي لمنح تفويض جديد للنخب القديمة أو الالتفات إلى بدائل ناشئة.

أما خارطة النتائج المقبلة، فستحدد ليس فقط ملامح السلطة في الإقليم، بل أيضاً موقع كردستان في المعادلة السياسية العراقية المقبلة، وسط مشهد متغير يُعاد فيه رسم خطوط النفوذ والتحالفات على إيقاع برلمان جديد وحكومة اتحادية قادمة.