السعودية تستقطب الأعمال بنظام جديد للإقامة

إطلاق الرياض نظام الإقامة المميزة يأتي فيما تخطو المملكة بثبات نحو التخلص من الادمان على إيرادات النفط وضمن جهود لا تهدأ لتحصين اقتصادها من الهزّات الجيوسياسية المتناثرة إقليميا ودوليا.



السعودية تتخلص من تعقيدات نظام الكفيل بـ"الإقامة المميزة"


جهود سعودية لا تهدأ لتنويع مصادر الدخل من خارج قطاع الطاقة


استقطاب وتنويع الاستثمارات الأجنبية ضمن أهداف 'رؤية السعودية 2030'


سوق العمل السعودي تنفتح على الكفاءات والاستثمارات الأجنبية


الرياض تقاوم بالحزم والترغيب الإقامات غير النظامية

الرياض - أطلقت السعودية اليوم الأحد نظاما جديدا للإقامة يهدف إلى استقطاب رجال الأعمال الأثرياء والشركات متعددة الجنسيات، في الوقت الذي تسعى فيه الرياض لتنويع اقتصادها والتخلص من الإدمان على إيرادات النفط التي تشكل أهم شريان مالي  للمملكة.

ويقود ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان جهود الإصلاح في المملكة ضمن خطة اقتصادية طموحة تستهدف إحداث نقلة نوعية على كافة المستويات بانفتاح أكبر على العالم اقتصاديا واجتماعيا والاستفادة من قطاعات أخرى لم تكن تحظى قبل سنوات قليلة بالاهتمام الكافي مثل قطاع السياحة والترفيه وهو قطاع حيوي لتنويع مصادر الدخل من خارج قطاع الطاقة.

وتشمل الإصلاحات أيضا التركيز على قطاعات التعدين والصناعة والزراعة. وتنفذ المملكة حاليا مشاريع طموحة وواعدة من شأنها أن توفير للملكة بدائل مالية عن تلك المرتبطة بقطاع الطاقة.

ويساعد تنويع مصادر الدخل السعودية على تجنب الهزّات التي يحدثها من حين إلى آخر اضطراب أسعار النفط وأسواق الخام العالمية وهي هزّات مربكة للاقتصاد وللإيرادات وتنجم أساسا عن أزمات جيوسياسية متناثرة تهدأ أحيانا وتتصاعد أحيانا أخرى.

ومن تلك الهزّات المؤثرة على إيرادات قطاع الطاقة التصعيد الأخير في الخليج بين واشنطن وطهران أو الأزمة في فنزويلا وليبيا والجزائر وغيرها من الدول النفطية وتراجع نمو الاقتصادات العالمية الكبرى التي تعتمد على واردات الطاقة لتشغيل مصانع الإنتاج فيها وهو أمر وارد في كل وقت وحين.

وتراجع نمو اقتصادات دول كبرى مثل الصين من شأنه أن يدفع إلى تراجع استيراد النفط، ما يخلق حالة من تخمة في المعروض النفطي بالأسواق ويدفع الأسعار للهبوط.

وتولدت لدى الدول المنتجة للنفط ومن ضمنها السعودية قناعة أكبر للذهاب أبعد من الاعتماد على النفط كمورد أساسي للدخل بعد الصدمة النفطية الأخير في صيف 2014 حين هوت الأسعار متراجعة من ذروتها بأكثر من 50 بالمئة، ما أربك المشاريع الحكومية الضخمة ودفع تلك الدول لتجميد بعض المشاريع الضخمة المكلفة واللجوء إلى الاحتياطي من النقد الأجنبي أو الاقتراض الخارجي لتغطية الإنفاق الحكومي.  

ولا يخرج نظام الإقامة المميزة للوافدين الذي أطلقته المملكة اليوم الأحد عن سياق التحرك السعودي الأوسع لتنويع مصادر الدخل ولاستقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية لدفع النمو الاقتصادي.

ويقوم النظام الجديد على منح إقامة "غير محددة المدة" بعد دفع مبلغ 800 ألف ريال سعودي (213 ألف دولار) لمرة واحدة وإقامة لمدة عام قابلة للتجديد بعد دفع مبلغ 100 ألف ريال سعودي (27 ألف دولار) سنويا.

وتسمح الإقامة لحاملها بـ"مزاولة الأعمال التجارية، وفقا لنظام الاستثمار الأجنبي" من دون الحاجة إلى كفيل و"حرية الخروج من المملكة والعودة إليها ذاتيا وامتلاك العقارات وطلب تأشيرات زيارة للأقارب"، وغيرها من التسهيلات.

وتتيح تلك التسهيلات بالتالي التخلص من تركة ثقيلة من الإجراءات البيروقراطية المعقدة وتوفر في الوقت ذاته سيولة مالية تساهم في تغذية المشاريع التنموية.

السعودية تقاوم الاقامات غير النظامية للعمال الأجانب بـ"الاقامة المميزة"
السعودية تقاوم الاقامات غير النظامية للعمال الأجانب بـ"الاقامة المميزة"

ويرى مراقبون أن النظام يستهدف الأثرياء العرب الذين يقيمون في السعودية منذ سنوات من دون إقامة دائمة والشركات متعدّدة الجنسيات التي تسعى للقيام بأعمال في المملكة لفترة طويلة من الزمن. وبدأ النظام بتلقي الطلبات اليوم الأحد علما أن الحكومة وافقت عليه الشهر الماضي.

وستتيح تلك الإقامة للوافدين الأجانب حرية الحركة والقدرة على امتلاك العقارات وإبرام المعاملات في المملكة.

ويعيش نحو 10 ملايين عامل أجنبي في السعودية. ويفترض بالعامل أن يمارس المهنة بضمانة كفيل سعودي وأن يحصل على تأشيرات دخول وخروج بشكل مستمر.

والرقم المعلن للعاملين الأجانب في المملكة هو ضمن العمالة المقيمة بشكل قانوني، فيما تقاوم السعودية منذ سنوات الإقامات غير النظامية لملايين العملة وقد أطلقت حملة واسعة لتسوية هذا الملف قانونيا وحفزّت المخالفين للقانون على التقدم طواعية لتسوية ملفاتهم.

وتشمل الإجراءات المنظمة لسوق العمل السعودي منح المقيمين بشكل غير قانوني امتيازات مالية لمغادرة المملكة طوعا وتسهيل إجراءات مغادرتهم.

وشهدت السعودية في السنوات الأخيرة تراجعا في أعداد العمّال مع فرضها ضرائب جديدة على الإقامات والتأشيرات، بينما تشن حملة ضد العمالة غير القانونية أدت إلى ترحيل مئات آلاف خلال السنتين الماضيتين.

وفي المقابل تستهدف الخطة الإصلاحية 'رؤية 2030' تسريع سعودة الوظائف وتخفيف الأعباء عن القطاع العام بإشراك القطاع الخاص وتحفيزه على توظيف السعوديين وتقليل الاعتماد على العمالة الأجنبية التي تكلف الدولة مخصصات مالية ضخمة.

ويأتي انطلاق العمل بنظام الإقامة الجديد بينما تخطو الرياض بثبات نحو تمتين اقتصادها وتحصينه من الهزّات الجيوسياسية المتناثرة في محيطها الإقليمي والدولي على ضوء تفاقم التوترات في المنطقة بين الولايات المتحدة وإيران وفي ظل نزاع تجاري لا يهدأ بين واشنطن والصين ينذر بالتمدد وبتطاير شظاياه إلى أبعد من حدوده الحالية.  

كما يأتي هذا التطور النوعي في سوق العمل السعودي بعيد ايام من حصول المملكة على العضوية الكاملة في مجموعة العمل المالي (فاتف) وهى هيئة عالمية معنية بمكافحة تدفقات الأموال غير المشروعة.

وكانت السعودية قد حُرمت في السابق من العضوية بدعوى أنها لم تف بمعايير مكافحة غسل الأموال والتصدي لتمويل الإرهاب. ويعزز انضمامها إلى المجموعة من مكانتها لدى المستثمرين الأجانب.

وقالت مؤسسة النقد العربي السعودي في بيان الجمعة الماضي إن انضمام المملكة إلى عضوية فاتف سيعزز دورها في المنتديات الدولية وسيبرز مساعيها في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

ودشن الأمير محمد حملة واسعة لمكافحة الفساد في المملكة معلنا أنه لا حصانة لأمير أو وزير من الملاحقة والمحاسبة، فيما يقود جهودا مكثفة لانفتاح اجتماعي واسع على العالم في المملكة المحافظة وخطة اقتصادية طموحة يتوقع أن تحدث نقلة نوعية وتساهم في تخليص الرياض تدريجيا من الإدمان على النفط كمصدر أساسي للدخل.