السعودية... رصد للإسلام السِّياسي السُّني (1-2)

رفع سقف المطالب

على وقع أزمة الخليج الثانية 1990 تعالت الأصوات، من مختلف الاتجاهات في المملكة، مطالبة السلطة السياسية في المملكة، عبر مجموعة من العرائض بالقيام بحزمة من الاصلاحات في شتى المجالات الدينية والاعلامية والاجتماعية والاقتصادية، كضرورة المشاركة السياسية ومراجعة مناهج التعليم الديني وغربلته واصلاح النظام القضائي وتعزيز الحريات العامة وتقليص سلطات الاسرة المالكة وغيرها من المطالب الاصلاحية.

كان لافتا بعد تلك الفترة الزمنية وماتلاها، بروز عدة تشكلات سياسية وحقوقية، معبرة عن مختلف الاتجاهات الشعبية في المملكة، مما ساهم في تنامي حركة المطالبة بالاصلاحات السياسية في المملكة. وكانت بعضا من تلك التشكلات تدعوا صراحة لممارسة العمل السياسي العلني المناهض للسلطة وبنبرة مرتبفعة ايضا، لفرضه كأمر واقع في المجتمع السعودي.

من بين أهم التوجهات الممثلة للإسلام السياسي السني، التي برزت بشكل علني في تلك المرحلة ودعت لممارسة العمل السياسي تحت عناوين و"يافطات" مختلفة ما يلي:

لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية

تأسست في أبريل 1993، بعد أن اجتمع سراً عدد صغير من مثقفي الصحوة بقيادة سعد الفقيه ومحسن العواجي ومحمد الحضيف والتحق بهم لاحقا عبد العزيز القاسم وعبد العزيز الوهيبي ومحمد المسعري واتفقوا على تأسيس لجنة للدفاع عن حقوق الإنسان، لكنهم أرادوا أن يكون أعضاؤها المؤسسون الرسميون من المشهورين فكان الاختيار على ستة من المشايخ والمهنيين المشهورين هم عبد الله المسعري وعبد الله بن جبرين وعبد الله التويجري وعبد الله الحامد وسليمان الرشودي وحمد الصليفيح.

وفي 3 مايو (أيار) 1993 صدر بيان بتوقيع الستة المشهورين معلنا تأسيس لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية؛ ونص البيان أن غاية اللجنة "رفع الظلم والدفاع عن حقوق الإنسان التي تقررها الشريعة. وطلبت من الناس التعاون بالإبلاغ عن المظالم وتولى محمد المسعري منصب الناطق الرسمي باسم اللجنة. ولكهنا حُظِرت فور تأسيسها.

عقِب تأسيس اللجنة استنكر المفتي العام للمملكة عبد العزيز بن باز الذي نصح بعدم قراءة منشورتها. بينما علق محمد بن صالح العثيمين عضو هيئة كبار العلماء على تأسيسها "أنه غير شرعي وأنه افتيات على ولي الأمر، وأنه يؤدي إلى الفوضى". وفي 15 مايو اعتقل المتحدث الرسمي باسم اللجنة محمد المسعري (أطلق سراحه في شهر نوفمبر من نفس السنة) واعتقل عبد الله الحامد في 15 يونيو وسعد الفقيه ومحسن العواجي و12 أكاديمياً آخراً من الداعمين للجنة.

وبعد خروج المسعري وسعد الفقيه من السجن قررت لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية العام 1994 فتح مكتب لها في لندن؛ واختارت أن يمثلها كل من سعد الفقيه ومحمد المسعري. وفي العام 1994 خرج الفقيه مع أسرته إلى لندن بينما وصل المسعري إليها بعد أن تسلل إلى اليمن، وبدأ نشاط اللجنة مجددا في أبريل 1994 بإرسال منشوراتها إلى داخل المملكة بالفاكس. وكان اعتقال اعضاء اللجنة، وانتقال الناشطين البارزين فيها وهما الدكتور المسعري والدكتور الفقيه للعيش في المنفى، في بريطانيا، بداية مرحلة عمل سياسي بالغة الجدة، سوف تشهد فصول معارضة سياسية من خارج الحدود لأول مرة في تاريخ التيار الديني السلفي.

حزب التجديد الإسلامي

في 1 مارس(آذار) 2004 أعلن الدكتور محمد المسعري تأسيس حزباً سياسياً(حزب التجديد الإسلامي)، الذي يهدف إلى إسقاط الحكم الملكي السعودي وإقامة دولة خلافة إسلامية. وجاء في بيانه التأسيسي أن هدفه: العمل الدائب لتحويل كل بلد من بلاد المسلمين إلى دار إسلام، وتطهيرها من رجس الكفر وبذل الجهود الجادة المستديمة لضمها في كيان واحد: كيان دولة الخلافة الإسلامية الراشدة على منهاج النبوة.

الحركة الإسلامية للإصلاح

في العام 1996 نشب خلاف حاد بين المسعري والفقيه حول استراتيجية عمل اللجنة، فبينما حاول الفقيه تركيز النشاط على مواجهة النظام السعودي أراد المسعري أن يكون للجنة نشاط ذو طابع عالمي وحاول أن يقيم علاقات بينها وبين حزب التحرير. انتهى الأمر إلى إقالة الفقيه. وكان الانشقاق الحاصل في لجنة الحقوق الشرعية، بحسب الباحث فؤاد إبراهيم،قد أحدث صدعا خطيرا لم يقتصر على اللجنة بل تعداها إلى مصادر تمويلها ودعمها في الداخل.

في مارس 1996، أسس الدكتور سعد الفقيه الحركة الإسلامية للإصلاح في لندن. وهي حركة سياسية إسلامية تهدف، بحسب اجندتها المعلنة، إلى إسقاط الحكم السعودي وإنشاء نظام إسلامي يعتمد على الشورى.علما بأن الحركة تستمد زخمها السياسي من الاتصال المباشر مع الجمهور النجدي.

في ديسمبر(أيلول) 2002 أطلقت الحركة الإسلامية للإصلاح إذاعة صوتية أسمتها "صوت الإصلاح". وكانت أولى المظاهرات التي دعت الحركة لتنظيمها مظاهرة 14 أكتوبر(تشرين الأول) 2003 التي شارك فيها المئات أمام برج المملكة في الرياض بالتزامن مع عقد مؤتمر "حقوق الإنسان في السلم والحرب".عقِب المظاهرة قامت الحكومة السعودية بالتشويش على بث إذاعة الحركة.واعتقل على إثرها أكثر من 350 شخصاً، صدرت عليهم أحكام متفاوتة شملت جَلد بعضهم. وبحسب منظمة العفو الدولية، كان من المعتقلين ثلاث نساء على الأقل أفرج عنهن بعد 55 يوما من الاعتقال بعد التعهد بعدم التكرار.

في يوم 16 ديسمبر(كانون الأول) 2004 دعت الحركة لمظاهرات في عدة مدن سعودية وتوقع سعد الفقيه مشاركة عشرات الآلاف رغم حظر التظاهر. وفي اليوم المخطط للتظاهر انتشرت قوات الشرطة المسلحة وأقيمت نقاط تفتيش عديدة في الرياض واعتُقل ثمانية أشخاص بشبهة التظاهر، بينما تظاهر حوالى 100 شخص في مدينة جدة، واعتقلت قوات الأمن 21 منهم وفيهم امرأة.وصدرت أحكام على 15 منهم تترواح بين 100 و250 جلدة وشهرين إلى ست أشهر سجن.

محمد الشِّيوخ

كاتب سعودي

Alshayook@gmail.com