السكوت علامة الغرق في لبنان
باريس - شبه وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان الانهيار السياسي والاقتصادي في لبنان بغرق سفينة تايتانيك لكن من دون موسيقى، في أحدث إشارة فرنسية على الأفق القاتم للوضع اللبناني مع استمرار تعثر تشكيل الحكومة وارتفاع منسوب التوتر والسجال بين القوى السياسية.
وقال لو دريان في مقابلة نشرتها صحيفة لو فيغارو الفرنسية اليوم الأحد "لبنان هو تيتانيك بدون الأوركسترا... اللبنانيون في حالة إنكار تام وهم يغرقون ولا توجد حتى الموسيقى".
وأثارت تصريحات لو دريان نبرة تشاؤمية قبل زيارة مقررة خلال ما يزيد قليلا على أسبوع للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت. وستكون تلك الزيارة الثالثة له منذ وقوع انفجار هائل في ميناء مرفأ بيروت الذي مر مساحات شاسعة من المدينة وأودى بحياة 200 شخص في أغسطس/آب.
وبدأ صبر ماكرون ينفد مع الساسة اللبنانين المتناحرين، إذ لا تزال مشاحناتهم على النفوذ عائقا في طريق إصلاحات شاملة يقول المانحون إنها حتمية قبل إرسال مساعدات مالية مقررة تشتد حاجة البلاد إليها.
ويعتقد أن أوركسترا تيتانيك استمرت في العزف لأطول فترة ممكنة حتى غرقت السفينة في المحيط الأطلسي في عام 1912، في محاولة لمساعدة الركاب على الهدوء وسط الهلاك الوشيك الذي أودى بحياة كل الموسيقيين في نهاية الأمر.
وتأتي تصريحات الوزير الفرنسي فيما يشهد لبنان حالة من التوتر على إثر قرار القاضي فادي صوان المحقق العدلي في تفجير مرفأ بيروت بتحميل رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب و ثلاثة وزراء سابقين موالين لحزب الله مسؤولية التقصير والإهمال ما تسبب بأسوأ انفجار يقل قليلا عن انفجار نووي لعلمهم بوجود شحنة نيترات الامونيوم في الميناء مخزنة منذ سنوات من دون أن يحركوا ساكنا.
وكانت قوى وشخصيات سياسية لبنانية بينها حزب الله ومفتي لبنان ورئيس الوزراء المكلف سعد الحريري قد أدانت بشدة قرار صوان واعتبرته غير دستوري وموجه سياسيا.
وفي أحدث تلك السجالات، أصدرت كتلة تيار المستقبل بزعامة الحرير بيانا تضمن عدة رسائل سياسية في أكثر من اتجاه لتسلط الضوء على توتر صامت بين مؤسستي رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية.
وقالت في بيانها "تنادى المنادون من كل حدب وصوب سياسي وطائفي دفاعا عن العدالة والقضاء، لمجرد أن لجأت قيادات وطنية ومرجعية وطنية دينية إلى التحذير من التطاول على موقع رئاسة الحكومة والادعاء على رئيس الحكومة الحالي (رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب) في قضية التفجير الإجرامي لمرفأ بيروت ومحيطه السكاني".
وأشارت إلى وجود تحريض على الطائفة السنّية ومرجعيتها قائلة "بعض الغيارى على حقوق الضحايا والمنكوبين، فاتهم أن بيروت هي الضحية بكافة مكوناتها الطائفية والمذهبية، فاعتمدوا تطييف النكبة كما لو كانت حقا حصريا لجهة أو فئة وراحوا يتلاعبون على أوتار التحريض ويشيرون بالبنان إلى الطائفة السنية ومرجعياتها كما لو أنها انفردت بالخروج على العدالة والقانون".
وتابعت "هذه المرجعيات انتفضت على مسار مشبوه من الصعوبة في مكان عزله عن الكيديات السياسية والمحاولات الجارية للانقلاب على صيغة الوفاق الوطني والدعوات المتلاحقة لفرض معايير طائفية على الإدارة السياسية للبلاد".
وكانت كل إشارات كتلة المستقبل موجه لفريق الرئاسي ميشال عون بالقول "“نعم، هناك خطة لن نسمح بتمريرها، لا عبر القضاء ولا عبر سواه، لاستهداف موقع رئاسة الحكومة. خطة انتقامية من اتفاق الطائف الذي حقّق المشاركة الفعلية في السلطة وأنهى زمنا من الاستئثار بها والتفرّد في إدارة مؤسساتها. خطة تستحضر الأدبيات الانقلابية في آخر الثمانينات لفرضها على الحياة السياسية والوطنية بعد أكثر من ثلاثين سنة على سقوطها".
وكان نجيب ميقاتي رئيس الوزراء اللبناني الاسبق قد ندد بقرار القاضي فادي صوان متسائلا لماذا لم يشمل قراره الرئيس ميشال عون وهو من أقرّ بعلمه بوجود أطنان من نيترات الأمنيوم مخزنة في مرفأ بيروت.
واعتبرت كتلة تيار المستقبل النيابية أن "هناك مخططا لاحتواء وعزل الموقع الأول للطائفة السنّية في لبنان، سواء من خلال التهويل على رئيس الحكومة والادعاء عليه في قضية المرفأ، أو من خلال التهويل على المرجعيات السياسية التي تولّت رئاسة الحكومة خلال السنوات العشر الماضية وإيداع مجلس النواب كتابا يدرج رؤساء الحكومات السابقين في لائحة المسؤولية عن انفجار المرفأ".
وأكّدت أنّهم “يجيزون لأنفسهم حقوق الدفاع عن مواقعهم وطوائفهم ووظائفهم ومكوّناتهم، ويجيزون لأنفسهم أيضا تعطيل البلاد سنوات وسنوات، غير آبهين بالخسائر المادية والانعكاسات المعيشية والاقتصادية لتأمين فرص وصول الأقوى في طائفته إلى رئاسة الجمهورية".
وقالت أيضا "وهم من حقّهم تعطيل تشكيل الحكومات، كرمى لعيون الصهر أو بدعوى فرض المعايير التي تجيز لقيادات الطوائف تسمية الوزراء واختيار الحقائب الوزارية والتمسك بالثلث المعطل، حتى ولو اضطرتهم المعايير إلى القضم من حصص الطوائف الأخرى. وهم لا يتأخرون عن حشد الأنصار أمام مداخل القصر الجمهوري لحماية موقع الرئاسة ووضع الخطوط الحمر في مواجهة التحركات الشعبية والاعتراض السلمي على السياسات العليا للدولة"، في إشارات واضحة لجبران باسيل صهر الرئيس ورئيس التيار الوطني الحرّ والذي تدور في الكواليس أحادث عن تحضيره لخلافة عون.
وتابعت "مسلسل الحقوق الحصرية لقيادات وزعامات ورئاسات الطوائف في الدفاع عن مواقعها، أمر مباح للجميع دون استثناء، سواء في مواجهة القضاء، أو في مخالفة القانون، أو في الهرطقة على الدستور أو في تجاوز حدود السلطة أو في تغطية التدخل العسكري في الحروب الخارجية وصولا إلى وقف تعيينات الفئة الرابعة للناجحين في الخدمة المدنية وإطلاق غيرة الدين لحماية هذا المحافظ أو ذاك الموظف".
وأضافت "كل ذلك مجاز وشرعي وقانوني ووطني ولا يقع تحت خانة التعبئة الطائفية والمذهبية… أمر واحد استثار الغيارى على العدالة والقضاء وتجار الهيكل الذين يتقنون التجارة بآلام المواطنين ويتسابقون فوق دمار بيروت وأوجاع أهلها وسكانها، لتسجيل النقاط السياسية بحق هذه الفئة أو تلك. أمر واحد وضعوه في خانة الحماية الطائفية وتجاوز حدود القضاء هو الدفاع عن موقع رئاسة الحكومة، الذي اتخذوا من الادعاء عليه فرصة سانحة لإصابة مرجعيات حكومية عدة بحجر واحد. بيوتهم جميعا من زجاج مهشّم والرايات الطائفية تعلو جميع الأسطح، لكنهم لا يشبهون بيوت وأسطح بيروت المحطمة والمنكوبة والمثقلة بالهموم في شيء".
وختمت بالقول "لو كان الأمر كذلك لتوقفوا عن تعطيل تشكيل الحكومة ووافقوا على تشكيلة الرئيس المكلف التي ترتقي فوق المحاصصة الحزبية وترشح نفسها لإنقاذ بيروت من براثن الدمار والخراب ولما تمترسوا خلف الحصص الطائفية والحزبية لقطع الطرق على إعادة إعمار بيروت ونصرة أهلها"، مضيفة "نحن الضحايا في بيروت. ونحن أهل الضحايا وأولياء الدم ولا نقبل المزايدة علينا من أحد وقد كنا وما زلنا رؤساء حكومات ونواب ومرجعيات روحية في مقدّمة المطالبين بتحقيق العدالة والاقتصاص من المقصرين والمذنبين والعارفين والمس من أعلى الهرم إلى أدناه، إنما ليس على قاعدة العدالة الاستنسابية المسيّسة والمجتزأة".
وكان الحرير قد اقترح حكومة مصغرة غير حزبية من 18 وزيرا عرضها مؤخرا على الرئيس ميشال عون ولا يبدو حتى الآن أن حكومته تلقى القبول المطلوب للخروج من المأزق السياسي والمحاصصة الطائفية والخصومات المعلنة وغير المعلنة على الحقائب الوزراية وتحديدا تلك التي تطالب قوى غربية بينها فرنسا أن لا تسند إلى حزب الله.