السياق العالمي يسهل الانتقال إلى التطرف

الباحث التونسي منير السعيداني يرى أن من بين نتائج ما تشهده الرقعة الجغرافية العربية منذ نهايات 2010 استحالات عميقة وسريعة وحادة.


العلاقات بين الدولة والمجتمع الأهلي والمجتمع المدني مسّها التحوير عميقاً


التطرف تتويج عملي وفعلي لجملة مسارات تنبع من التعصب

رأى الباحث التونسي منير السعيداني في دراسته القيمة التي قدم بها كتاب "التعصب والتطرف والارهاب.. مقاربات في المجتمع والدولة والدين" أن من بين نتائج ما تشهده الرقعة الجغرافية العربية منذ نهايات 2010 استحالات عميقة وسريعة وحادة أحياناً في العلاقات بين مختلف المؤسّسات والبنى والكيانات الاجتماعية. وقد أدّى ذلك، في أحايين كثيرة، إلى إعادة صياغة العديد من الصلات الاجتماعية بين الأفراد وذواتهم، وبين الأفراد والأفراد، وبين هؤلاء والمجموعات، وفي ما بين المجموعات، وبين المجموعات والمؤسسات.. إلخ. ويعني ذلك في ما يعنيه أن العلاقات بين الدولة والمجتمع الأهلي والمجتمع المدني مسّها التحوير عميقاً إلى هذا الحد أو ذاك. 
وقال إنّ النزاعات التي تمحورت حول شكل الدولة العربية وأساسها القانوني الدستوري، وكذا حول صياغتها علاقاتها بمنظوريها المحكومين وبمجال ممارستها لنفوذها.. تلك التي اندلعت بقوة وحماسة وصلت إلى حد الحرب الأهلية في غير قطر عربي، تنبئ عن بعضٍ من أعماق ذلك التحوير. ويترافق ذلك أحيانا، إن لم يكن منفعلاً به، مع تحوير آخر في علاقة الدولة تشكيلاً وجهازاً ومهام بمحيطها الجهوي "المغربي أو الخليجي مثلاً"، والإقليمي "العربي عامة"، والدولي "الإسلامي أو القاري أو الأممي". وليست تقتصر أمثلة ذلك على مجرّد ما أجابت عنه بعض الصياغات الدستورية العربية الجديدة أو المجددة بما وسّع الحريات مثلاً، أو أعاد تعريف كيفية إدارة الثروة الوطنية، في علاقة بمختلف خطوط الصدع الاجتماعي بين الأجيال والجهات والنوعين الاجتماعيين والأصناف المهنية والفئات الاجتماعية. كما لا تقتصر على إعادة محورة الفعل السياسي حول إمكانات أوسع للمشاركة السياسية، بل هي تشمل أيضاً إعادة تشكيل العلاقة مع مكامن أخرى للسلطة المنبثة في تلافيف المجتمع، بما فيها نواتات السلطة المضادة. وتتجسّد تلك المكامن في كل موقع لم تعد الدولة العربية المعاصرة قادرة فيه على الاحتواء أو التوجيه أو حتى على الاستجابة لمطالب منتمين إلى أشكال انتظام اجتماعي تقليدية مثل القبيلة أو العشيرة أو المحلة الصغرى أو الطائفة أو المذهب أو الدين "غير الدين الأغلبي السائد"، أو منتسبين إلى أشكال انتظام اجتماعي مبتدعة مثل الجمعية والمنظمة والرابطة والمنتدى والنادي.

الصناعة الاجتماعية للتعصب كفّت، منذ القرن التاسع عشر على الأقل، عن أن تكون مسألة محلية، وذلك بفعل تشابك مسارات التفاعل ما بين الثقافي على مستويات ظلت تتوسع إلى حد شمول كل المجتمعات والثقافات تقريباً

وأضاف في الكتاب الذي شارك فيه مجموعة من الباحثين العرب (عبدالكريم أبو اللوز، محمد الأشهب، فاتن المبارك، المنجي حامد، عبدالله ياسين، بشرى زكاغ) والصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود "إن ما تحتوي عليه تلك المكامن من سلطة منبثة في تلافيف المجتمع مجموعات وجماعات قد تتطابق، وقد لا تتطابق، في مسرح وجودها مع الحدود السياسية الإدارية التي تضعها سلطة التدبير السياسي في سياق تحديد مجال نفوذها ومراجعته لإعادة تقسيم تخومه الجماعاتية "المصلحية، القرابية، الإثنية، اللغوية، الدينية، المذهبية،..". بالإضافة إلى تضافر العوامل الداخلية والخارجية في تشكيل مكامن أخرى للسلطة المنبثة في تلافيف المجتمع تتأسس على أسواق عدة متزايدة الاتساع والتغيّر "سوق العمل، سوق الاتجار، سوق المبادرة، سوق الاستثمار، سوق الادخار، سوق العمل الخيري، سوق التكنولوجيا، سوق المعرفة، سوق الفرص السياسية، سوق النخب المحلية، سوق النخب الوطنية، سوق النخب العابرة للحدود، سوق الخيرات الثقافية، سوق الرموز، سوق المتوجات المخيالية، سوق التصاوير التذكّرية..".
وأشار السعيداني إلى أن في كل تلك المكامن مكونات مجتمعات غير مُدَوْلَنِة العلاقات والآليات وأنماط الاشتغال، بما يجعلها أهلية مصنوعة من نسيج صلات أشكال الانتظام الاجتماعي التقليدية، أو مدنية مصنوعة من نسيج الانتظام الجمعوي حرّ الانتساب والنشاط والحركة. وفي هذا تعقيدات كثيرة منها ما يتصل بإعادة تشكيل علاقة الدّولة العربية المعاصرة بمنظوريها، فُرادى وجماعات، ومنها ما يتعلق بإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية عامة. 
وبالنظر إلى العمق التاريخي، الذي يمكن أن تستند إليه مراجعات المفاهيم ذات الصلة وتجسيداتها الممكنة تاريخياً واجتماعياً، يتوجب النظر إلى هذه المجتمعات غير مدولنة العلاقات والآليات وأنماط اشتغالها في تجسداتها المحلية والوطنية والإقليمية (المنظمات الخيرية الإسلامية مثلاً)، وكذا الدولية (المنظمات الإنسانية الدولية) من ناحية، وفي قدراتها التنظيمية (ومنها التشبيكية) واللوجستية والمالية (ومنها التشغيلية) والرقابية (ومنها التمكينية) والإعلامية والعائدة إلى اللوبيات النافذة (ومنها ما يتصل بتشكيل ملامح قيادات المعارضة المدنية) من ناحية ثانية، وفي علاقاتها بالأفراد والمجموعات والأجهزة والمؤسسات من ناحية ثالثة.
ورأى أن هذا قد يكون مدخلاً من مداخل إعادة صياغة العلاقة بين الدولة العربية المعاصرة وكل المجتمعات غير مُدَوْلَنة العلاقات والآليات وأنماط الاشتغال من منظور مسألة العنف. فعلى اعتبار الدولة، في أحد وجوهها الحديثة على الأقل، تأسيساً لتعاقد غير عنيف أو مُمَدِّنٍ للعنف من خلال معالجة مكامنه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عبر تحكيم الوازع الدستوري الرادع، أو من خلال احتكار ممارسة العنف المنظم، وعلى اعتبار العنف شكلاً من أشكال التصرف في النزاعات الفردية والجماعية والمؤسسية، يمكن أن تكون كل إعادات صياغة مختلف العلاقات والصلات التي أتينا عليها مبعثاً لتصاعد موجات من العنف ممتدة وموجعة وفادحة إلى هذا الحد أو ذاك أو، على العكس من ذلك، مُعَدِّلاً له. وما وقائع التحوّلات الاجتماعية والسياسية التاريخية التي شهدتها دول الرقعة الجغرافية العربية ومجتمعاتها إلا مصداق لهذه المراوحة بين التصاعد والتعديل.
وتساءل السعيداني: ما معنى أن يكون المرء مؤمناً؟ وقال "على الرغم ممّا قد يتبادر إلى الذهن من انحصاره في المجال الديني - الاعتقادي، يمتدّ عميقاً إلى أغوار اجتماعية وجذور تاريخية وأبعاد فكرية ثقافية، ليس العلم ولا المعرفة من خارجها. ولكن يجدر التمييز بين المعتقدات ذات الطبيعة الوصفية - التفسيرية، التي تتكون طياتها من المعارف والعلوم والأساطير مثلاً، ويُحتكم فيها إلى مقاييس الخطأ والصواب والمطابقة من جهة. ومن جهة ثانية المعتقدات المعيارية التي تحتوي في طياتها على القيم والعقائد مثلاً، ويُحتكم فيها إلى معالم الرّشد والغَيّ وصولاً إلى مكاييل الولاء والبراء ومقاساتها. 
سياقات المعتقدات الأولى بما تفترضه من مؤسسات وأطر وهياكل وفاعلين يتطلّب بناؤُها واستخدامُها استحضارَ آليات التصديق والتخطيء والتمحيص والاختبار والدّحض والتصحيح ضمن سيرورة بناء الحقائق الوصفية التفسيرية والتأويلية واستخدامها العَمَلي. سياقات المعتقدات الثانية، تلك التي تنمو وتترعرع غير خاضعة إلى العقلانية بالضرورة، تستدعي آليات مخيالية من الإيمان المُصَدِّقِ والتبنّي المُثْلِج صدرَ القَلِقِ ضمن سيرورة تشكل علاقة مخصوصة التعاضد بين مالك اليقين وأتباعه. 

يتكون الكتاب من سبع دراسات يكون كلّ واحد منها فصلاً تجمعها ثلاثة أقسام: القسم الأول من طبيعة نظرية مفهومية، في حين يتثبت القسم الثاني في كيفيات الصناعة الاجتماعية للتعصب والتطرف والعنف في مجريات الحياة اليومية ضمن المجتمعات المحلية. أما القسم الثالث ففيه تركيز على العوالم الشبكية الاتصالية للتجنيد المتطرف وكيفيات صناعة الطوائف الافتراضية.
ووفقا لقراءة السعيداني لاستنتاجات الدراسات التي شملها الكتاب، أكد "إنّ في أصل التطرف يكمن التعصب لفكرة ما، وعدم الاستعداد للتحاور فيها أو مناقشتها، أو النظر في ما يمكن أن يكون معدلاً لها. في هذا المعنى يكون التطرف تتويجاً عملياً وفعلياً لجملة المسارات التي تنبع من التعصب الأصلي. تلك مسارات شخصية في معناها الذاتي الشخصي، ولكنها مسارات اجتماعية ثقافية في معناها الجماعي. إن انعدام أو نقص فضاءات الحوار، الذي يمكن أن يعدل التعصب ويجفف منابعه، ليست مسؤولية الأفراد بوصفهم أفراداً، بل هي مسؤولية المجتمعات بما هي مجموع مؤسسات تربوية وتنشيئية وتعليمية وصانعة للأفكار ومروجة للقيم. ولذلك يمكن القول إن التعصب، الذي يكمن في أصل التطرف، هو صناعة اجتماعية صرفة، هي التي تقولب الأفراد فتجعل منهم متطرفين، وإن كنا نعود إلى مسؤولية الأفراد لاحقاً. كيف يكون التعصب صناعة اجتماعية؟
ورأى أن الأصل في المجتمعات أنها تتكون من أفراد ومجموعات وجماعات متباينة متنوعة متخالفة، ولذلك فإن كل مجتمع متعدد ثقافياً بالضرورة. يكون التعدد على أساس التوجهات والرؤى والأوضاع الاجتماعية والمسارات التكوينية التربوية ومجالات العيش وأنماطه، ويستوجب ذلك ما يردد قوله الفلاسفة والمفكرون من أن الإنسان مدني بالطبع، وهي الفكرة التي رددها ابن خلدون مثلاً بعد الفارابي وبعد أفلاطون. 
الطبيعة المدنية تعني الحاجة إلى التعاون، وهو ما لا يكون إلا بنقيض التعصب، أي الانفتاح. إذاً، الأصل في الحياة الاجتماعية، بما هي مساحة لتبادل الرؤى والأفكار وجولان المعتقدات بما في ذلك المعتقدات الإيمانية، هو التنوع المنفتح. وعادةً، يترافق في ذلك الثقافي والمعرفي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي. فالتاريخ يشهد على أن المجتمعات ذات الازدهار الاقتصادي هي ذاتها ذات التعدد الثقافي والتنوع المعرفي والانفتاح السياسي، وإن كان ذلك من خلال مسارات معقدة ومؤلمة أحياناً من الكفاح من أجل سيادة أفكار تحررية وإنسانية. المهم أن مثل هذه المجتمعات تبني، في سياق ازدهارها متعدّد الأوجه والمستويات، مؤسسات ترعى المناقشات العامة والتبادل الفكري والمجادلات المفتوحة. وليس صحيحاً أن ما يعبر عنه بالمجال العمومي حكر تاريخي وثقافي على المجتمعات الرأسمالية الأوروبية. فتواريخ الحضارات التي تسمى ما قبل كولمبية والعربية والإسلامية غير العربية والأفريقية ...إلخ تشهد على قدرتها على تنظيم المناقشات العامة في الجوامع والمدارس ومؤسسات المناظرة والمهرجانات الثقافية والأشكال الفنية وبنى المعتقدات فضلاً عن الكتابات والمناظرات وأنظمة التعليم العمومي والتربية الجيلية المتعددة، بل يمكن القول إن حادثة الاستعمار الأوروبي الحديث منذ القرن الثامن عشر حتى الآن، بأشكاله المباشرة وغير المباشرة، خلق بنى كولونيالية للمعرفة والحكم وإدارة الشأن العمومي، ومن بين الشأن الثقافي مناهضة بنيوياً لأمداء الانفتاح والتجدد الذاتي للثقافات والابتداع التلقائي لمجاري المجادلات العامة. 
ويصح الأمر أيضاً على تصور الحداثة الأنوارية الأوروبية على أنها مسيرة بشرية موحدة نحو العقل والتقدم والحضارة في تناسٍ عنصري تام لمكاسب الثقافات والحضارات البشرية القائمة أصلاً على التنوع ما بين الثقافي.
وأضاف السعيداني أن ليس من معنى لتلك المسيرة المتخيلة إلا في معنى حكمها على كلّ ما عداها من الثقافات والمسارات الإنسانية بالتخلف والرجعية وانعدام المدنية منذ القول بالبربرية والبدائية وصولاً إلى القول بالاستثناءات غير الأوروبية الأميركية في معنى الاستثناء الإسلامي مثلاً. وبذلك يمكن أن نقف على أن الصناعة الاجتماعية للتعصب كفّت، منذ القرن التاسع عشر على الأقل، عن أن تكون مسألة محلية، وذلك بفعل تشابك مسارات التفاعل ما بين الثقافي على مستويات ظلت تتوسع إلى حد شمول كل المجتمعات والثقافات تقريباً، وعلى الأخص منذ استتباب العولمة. ومما عمق ذلك أن فترة نهاية الاستعمارات الحديثة في أواسط القرن العشرين، ونشأة المنظمات الدولية والأممية على قاعدة فكرة التعايش السلمي بين المجتمعات والثقافات والحضارات واللغات والديانات تحت مظلة العقد التاريخي الاجتماعي ما بين الدولي، فشلت في تحقيق عدالة انتقالية كونية تسمح بنزع حقيقي للبنى الكولونيالية المتحكمة في المعرفة والسلطة وهندسة الاجتماع الإنساني. وكان من نتيجة ذلك أننا نتقدم كل يوم أكثر في اتجاه توتر هوياتي عالي المخاطر هو السياق العالمي الدولي الذي ييسر الانتقال من التعصب إلى التطرف.