السيسي الرئيس المظلوم: عين المستحيل أن نطلب من الرئيس والشعب الرحيل

بعيداً عن التماهي مع خديعة المؤامرات الخارجية على الأوطان، وبعيداً عن توجيه النقد الدائم إلى الحاكم الفرد القابض على السلطان، أو تسليط الضوء على ما ينتج من سلبيات ممارساته الاستبدادية، فمن الإنصاف النظر إلى النفس البشرية وطبائعها نظرة موضوعية، قبل أن نتخطاها بحثاً عن إلقاء اللوم على الحاكم كشخص، فالمأساة الآن ليست في عدم صلاحية هذا الحاكم أو ذاك، إنما هي محصورة في هل هو يرغب في انتشال الوطن من الحضيض أم إبقائه هناك؟

فالحاكم ما هو إلا نتاج بيئته، وجزء حي من مكوناتها، فكلما كانت البيئة طبيعية خالية من التشوهات، نتج عنها أشخاص أسوياء ميالون للارتقاء، محبون لإنجاح ما يعملون، مبدعون حين يفكرون، صادقون حين يتكلمون، راشدون حين يحكمون، حريصون على الصالح العام.

أما إذا كانت بيئة الحاكم غائمةً سماؤها، مسموماً هواؤها، منتشراً فقرها وفسادها، مهملة ومكبوتة عقول أبنائها، فالناتج عنها بلا شك إنسان مملوء بالسوءات، قصير النظر عديم القدرات، دائم النقمة على المقدرات، مشغول في البحث عن الملذات، ضعيف عند الملمات، عاجز أمام الأزمات، محصورة أفكاره في اقتناص الفرص وتعظيم الذات، غير أمين على تحمل أدنى المسؤوليات.

من خلال إحدى البيئتين تتكون كل نفس بشرية، ومن سوء الطالع أن دول العالم الثالث جميعها تقع ضمن تصنيف النوع الثاني، فنتج عنها ما نراه الآن، وللأسف وجراء عدم توافر الشعور بالمسؤولية، غاب اليقين بأن الاستمرار في نفس النهج جيلاً بعد آخر فاقم المشاكل، وجعل من المستحيل إدراكها وحلها، إلى أن أصبحت جميع السوءات ثقافة عامة ترسخت في عقول الناس، فتعايشوا معها رغم مخالفتها لنواميس الحياة، ومجافاتها للمبادئ القويمة، والأخلاق الحميدة، والمُثل السامية، فإذا بالفساد واللصوصية من خلال القوة والجبروت تزداد وتتباهى، والشرف والأمانة تحت سياط الظلم والقهر يخفت صوتها وخجلاً تتوارى.

والنتيجة، أن الحاكم والمحكوم كلاهما سواء. فالأول القادم من البيئة الثانية حيث نشأ وترعرع، والحريص بالطبع على استمرارها، لا يمكن أن يكون إلا متسلطاً مستبداً، وحتى يظل في موقعه أطول فترة ممكنة، مستفيداً بما يمنحه المنصب من مزايا مادية واجتماعية، فعليه أن يتولى إدارة تلك البيئة، بما فيها من سلبيات وعيوب، دون الاقتراب من تغييرها أو إحداث أي تحسينات في مكوناتها. ولذلك نرى جميع أنظمة الحكم في العالم الثالث لا تعيش إلا مع افتعال المشاكل الداخلية والخارجية، النوع الأول ويمثله الإرهاب، والثاني وهو الخلافات مع دولة أو دولتين من الجيران، وتوجيه كراهية الشعب لهما باستغلال المشاعر الوطنية الجياشة، مع إشاعة جو من مقاومة المؤامرات الخارجية، دون أن يبوح الحاكم بمن يقف خلف تلك المؤامرات، إذ يكفي التلويح الدائم بالخوف من ضياع الوطن وسقوطه، وكأنه وطن من وهن، ولا ننسى بالطبع معاداة أميركا وإسرائيل في العلن ونختصها باللعنات، وتجريسهما في الصحف والمجلات، في الوقت الذي نُقدم لهما في الخفاء، فروض الطاعة وصنوف الولاءات.

أما الثاني وهو المحكوم، فهو أيضاً نتاج نفس البيئة الثانية السيئة، وإن كان يخشى تغيير بيئته التي لم يخبر غيرها، إلا أنه يتوق، في داخله، إلى نموذج الشعوب التي تُصان أدميتها، وتُحفظ كرامتها، وتنعم بالحياة الكريمة، تحت حكم قانون يطبق على الجميع، في وطن لا عبيد فيه ولا أسياد، ويحظى بعملٍ يعتاش منه، ومسكن مقبول وخدمات تعليمية وصحية واقتصادية مناسبة، إلا أن نشأته جعلته يتعايش مع الخطايا الصريحة ويغض عنها الطرف، وهو في سبيل الاستمرار في الحياة تجيء ممارساته مندمجة إلى حد كبير مع الخطائين، فيبادلهم خطأ بخطء، وبمرور الوقت أصبح يُبادرهم بالخطأ، وهو الحالة هكذا، يبحث عن وسائل الاستفادة من الحاكم المتسلط المستبد باستغلال البيئة الفاسدة التي يحافظ الحاكم عليها ويرعاها، فيجني منها بعض المكاسب، وكلما كان العائد على المواطن من بيئة الفساد كبيراً، كلما ازداد تمسكه وحرصه على بقاء الحاكم الظالم المستبد، لأهمية وجوده لاستمرار بيئة الفساد، وهذا ما جعل فئات من الشعب تبدي كراهيتها وما زالت، لثورة 25 يناير 2011، لأن تلك الثورة ببساطة كانت معول هدم البيئة الفاسدة والقضاء على سلبياتها، والباعثة لأمل بناء بيئة نقية جديدة يعيش فيها الجميع بكرامة واحترام، ولم أكن يوماً أتصور أن هناك من البشر من يكره الحياة في بيئة طاهرة تسودها الأخلاق الفاضلة.

إن كان في هذا الوطن من يتحلى بالموضوعية والإنصاف، فسوف يستنتج خطأ الاستمرار في تعظيم البيئة الثانية، فالمنافع آنية والسلطة وإن طالت غير باقية، وهذا النهج عواقبه كارثية، تعايشها الآن الأجيال الحالية، وتنتقل آثارها السلبية إلى الأجيال التالية، فلكل شيء في الدنيا نهاية، والسلوك الخاطئ لا يصمد إلى ما لا نهاية، فلابد من لحظة مع النفوس، نستوعب فيها الدروس، وأتمنى ألا يأتي اليوم الذي نطالب فيه بعين المستحيل، فمن غير المعقول أن نطلب من الرئيس والشعب الرحيل.

والحل، أن يقتنع الرئيس الذي اختارته الملايين من الشعب، بأن السير على نفس النهج القديم، واتباع الأساليب العتيقة، وتوظيف نفس العقليات والسياسات القميئة، سيؤدي إلى نفس النتائج الفاشلة السابقة، وبغير أن يقتنع الرئيس بأن التغيير الجذري الشامل، هو السبيل للقضاء على البيئة الفاسدة التي تفرخ الفاسدين كلما تقاعسنا عن مقاومتها، ستظل مصر تدور في حلقة مفرغة نتائجها مُفزعة، وأخشى أن يذكر عنه التاريخ أنه الرئيس الوحيد ذو الشعبية الذي اختار محاربة الإرهاب ومهادنة الفساد، فانهزم من الاثنان.