السيسي وهيكل في زمن الأزمة!

(1)

الحلم وحده طريقك لرئاسة مصر!

هكذا حلم الجنرال السيسي بذلك وفي يده ساعة أوميجا، أما مرتضى منصور فحلم بأثنين ضباط جيش يجلسان إلى جواره، فقرر التراجع عن الترشح لرئاسة مصر وأعلن تأييده للجنرال!

لم يؤلف فرويد كتابه "تفسير الأحلام" قبل قرون من فراغ، مات فرويد وبقى كتابه، أما الأحلام فقد اختفت من حياة المصريين البسطاء الذين خاصم النوم عيونهم منذ سنوات!

(2)

هل يمكن أن تؤدي الدماء التي تراق بلا جريرة أو ذنب، إلى صنع الأمن والسلام وإقرار الحق والعدل؟ تاريخ الشعوب ينفي ذلك، وتجارب ألمانيا وفرنسا وبريطانيا العظمى وحتى رومانيا تشاوتشيسكو، تؤكد جميعها أن البدايات الاستبدادية لا تؤدي إلى نهايات ديمقراطية، فأنت لا تجني من الشوك العنب!

قبل ثورة 25 يناير 2011 م كان بمصر 24 حزباً سياسياً كارتونياً، العديد منها لا يتعدى مجرد اسم ومقر وجريدة معروفة أو مغمورة (إن وجدت)، وذلك لغياب الديمقراطية الحقيقية. وقتها كان الحزب الوطني الديمقراطي برئاسة حسني مبارك هو حزب الأغلبية الحاكم، وبعد الثورة صدر حكم قضائي بحل الحزب في 16 إبريل2011، وتأسست أحزاب سياسية جديدة وصل عددها الآن إلى 84 حزباً بحسب بوابة معلومات مصر بموقع مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء. تخيلوا ماسورة صرف حزبي طفحت في شوارع مصر، أحزاب قديمة وجديدة من كل ألوان الطيف السياسي بصحف وفضائيات ومواقع إلكترونية وخبراء استراتيجيين، وحنجورية حزبيين، مع ذلك عجزوا عن سد الفراغ الذي خلفته كتلة الإخوان، وعجزوا عن طرح مرشحين ينافسون بشرف ويعكسون تعددية مفقودة منذ عقود في الاستحقاق الانتخابي الرئاسي.

مصر بعد 11 فبراير 2011 – يوم تنحى مبارك – غير مصر بعد 3 يوليو 2013 – يوم عزل مرسي- قارن ببساطة بين سباق الرئاسة الماضية 2012، حين كانت هناك انتخابات جادة ومنافسة حقيقية بين 13 مرشحاً، الآن لا وجود لانتخابات رئاسية ولا منافسة حقيقية، فقط رئيس فعلي للبلاد منذ 3 يوليو 2013، لم يكن ينتوي الترشح مثل مبارك، لكن الظرف اختلف حين أغوته تفاحة السلطة فالتهمها بعد أن كان قد قال: "لن أترشح للرئاسة.. لن اسمح للتاريخ أن يكتب أن جيش مصر تحرك من أجل مصالح شخصية". ولأن مصر في حالة حرب الآن، لابد من بطل مُخلص. إذن نحن في زمن الضرورة، وكما أن للضرورة أحكام، فإن لها حكاماً أيضاً، وهكذا نجح هيكل عراب النظم في صك مصطلح "مرشح الضرورة" الذي تبارت على الترويج له كل وسائل الإعلام.

شخصياً لا أنكر حق السيسي وأي مواطن تنطبق عليه الشروط للترشح للمنصب الأهم، ولا أنكر عليه شعبيته الواسعة التي غذتها حالة العداوة الشديدة للإخوان، فضلاً عن الدعم اللامحدود من الجيش والشرطة والقضاء والإعلام، لكن أن ينافس نفسه باعتباره مرشح الضرورة، فتلك مغالطة تلغي التعددية المطلوبة كما تلغي الحق في الاختيار الحر أمام صناديق الاقتراع، ولأن الضرورة صارت أسطورة أو قل خرافة فقد روج لها إعلاميو نظام يتشكل، وليس أولهم رولا خرسا التي طالبت صراحة بعودة مبارك وعودة الحزب الوطني، بينما لم يفاجئني إبراهيم عيسى -الذي انتقد بالأمس القريب رئيس الوزراء أحمد نظيف حين ردد أن مصر ليست مستعدة لممارسة الديمقراطية- حيث كرر عيسى الكلام نفسه بقوله: "المصريون ليسوا مستعدين لممارسة الديمقراطية".

( 3 )

في قصيدته كلمات سبارتكوس الأخيرة يقول الرائع أمل دنقل:

لا تحلموا بعالم سعيد

فخلف كل قيصر يموت

قيصر جديد

وخلف كل ثائر يموت

أحزان بلا جدوى ودمعة سدى

مصر التي قامت فيها ثورتان وأسقطت نظامين وتحاكم رئيسين، لم تعد مستعدة للاستبداد ولا القمع وانتهاكات حقوق الإنسان وتقييد الحريات وتغييب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، عبر بعض القوانين القمعية التي صدرت خلال الشهور الفائتة، وكلها ممهورة بتوقيع رجل القانون الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور، ومنها قانون التظاهر غير الدستوري، وقانون الإرهاب، وتحصين قرارات اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، وممارسات قمعية ليس أقلها حملات التشويه والاعتقال لأي صوت معارض أو رأي مخالف حتى لو كان من المفوضين أنصار 30 يونيو 2013.

ربما يسأل البعض: وهل نحن أمام حالة استبداد أو طغيان جديدة يجري الإعداد لها؟ أم أننا أفرطنا في حالة الثورة حتى صارت فوضي؟!

في كتاب "الطاغية" للدكتور إمام عبدالفتاح إمام، مقاربة توضح أن الديموقراطية تدمر نفسها بنفسها، عندما تصل إلى حدها الأقصى فتنقلب إلى فوضى، وبدلاً من أن يحكم الشعب نفسه بنفسه، يقفز الطاغية إلى كرسي الحكم لكي ينقذ البلاد من الفوضى. وهكذا تنشأ الحكومة الاستبدادية، فالتطرف في الحرية يولد أفظع أنواع الطغيان، ويظهر وسط هذه الفوضى من يؤيده الناس قائدا عليهم ونصيرا لهم، ويضفي عليه الشعب قوة متزايدة، وسلطاناً هائلاً، وفي كل مرة يظهر فيها طاغية، يكون الأصل الذي يظهر منه هو هذا النصير!

( 4 )

لا يتوقف هيكل عن التصريح أو التلميح، وكما راجت خرافة مرشح الضرورة، صك هيكل مقولة "مرشح الأزمة" التي يجري تسويقها عبر ماكينة الإعلام وثيقة الصلة بفساد دولة مبارك، تلك الآلة التي تبحث عن مصالحها الاقتصادية الآن مع نظام يجري تشكيله في الغرف المغلقة.

نحن إذن أمام مرشح الأزمة، لكن أي أزمة تلك؟ هل هي أزمة فيلم "حلاوة روح" الذي منع عرضه بقرار من رئيس الحكومة المهندس ابراهيم محلب بالمخالفة للدستور والقانون، أم أزمة الكهرباء التي ستقطع بالساعات في الصيف، أم أزمة الفحم الذي عارضت وزيرة البيئة استخدامه، في وقت أقرت الحكومة – التي هي عضواً فيها- هذا الاستخدام، هل أزمة الجنيه الغارق أمام الدولار، أم أزمة البورصة التي تخسر المليارات يومياً، أم أزمة الاقتصاد المنهار والديون المتراكمة والاستثمارات الهاربة، والسياحة المصابة بالشلل منذ ثلاث سنوات، أم أزمة الوضع في سيناء وجنوب مصر وفي غربها بليبيا التي تخطف وتقتل يوميا العشرات من المصريين، أم الأزمة الأخلاقية، أزمة التحرش التي حصلنا فيها على تصنيف عالمي جديد، وكيف لا ولدينا مدرب الكاراتيه الذي يمارس الرذيلة مع زوجات وجهاء المحلة ونخبتها، أم أزمة الأم التي تقدم طفلتها لعشيقها ليمارس معها الفحش، أم أزمة الأسرة التي تمارس زنا المحارم وتطلقها النيابة بكل أريحية، أم أزمة الانفلات الأمني، أم أزمة التفجيرات اليومية التي تحصد عشرات الضباط والجنود والمدنيين من الإعلاميين وطلبة الجامعات والمدارس والمسيحين والمسلمين على السواء، أم أزمة الإخوان الذين يخطئ من يظن أنهم سيختفون من الوجود بقرار أو حتى بالقتل والاعتقال، ويخطئ من يظن أن الإرهاب سيستمر إلى الأبد، ويخطئ الإخوان إذا توهموا عودة مرسي للحكم، أو إذا تجاهلوا حقيقة مرة مفادها أن ما نسب لهم ولم ينفوه وما أتوا به من أفعال طيلة ثمانية أشهر مضت، كفيل بأن يثبت عليهم ما حاولوا التنصل منه طيلة ثمانية عقود!

صار الجنرال مرشحاً للأزمة بصك من الأستاذ هيكل، الذي قال قبل أشهر: "يجب أن يكمل مرسي مدته والمطالبة بإسقاطه هي نوع من الانتحار السياسي"؛ هيكل الذي قدر ثروة مبارك فور اسقاطه بحوالي 70 مليار دولار، هو نفسه هيكل الذي تنصل أمام النائب العام ولحس كلامه وقال إنه ليس لديه أدلة وأن ما قاله أستند إلى تقارير صحفية!

سيظل هيكل "الأستاذ"، كما ستظل صباح "الشحرورة"، هي لم تتوقف عن الزواج، وهو لم يتوقف عن ممارسة الكلام وضخ الأقوال وليس المعلومات، وصناعة الأساطير والزعامات، لن يتوقف عن الاستشهاد بالموتى، ومحاولات اغتيال رئيس وزراء أثيوبيا السابق مليس زيناوي ثلاث مرات على يد جهاز المخابرات العامة المصرية بقيادة اللواء الراحل عمر سليمان ليست الأخيرة، فالرجل يجدد نفسه ويجيد المراوغة والاختفاء والصمت عند اللزوم!

( 5 )

لا تبحث عن العدل والخبز والحرية والكرامة الإنسانية وإعمال سيادة القانون وتداول السلطة ولا تحدثني عن الديمقراطية والتعددية ومدنية الدولة، وغيرها من الأمور التي نزل الناس من أجلها في 25 يناير، لأنك أمام نظام آخر نزل في 30 يونيو أزاح الإخوان صحيح، لكنه جر البلاد إلى ما قبل 25 يناير!

نجحت كاميرات ولقطات خالد يوسف في 30 يونيو2013، في تصوير الملايين الغاضبة في خروجها ضد مرسي تفويضاً للسيسي، وهم بالفعل ملايين، لكن هناك ملايين لم يكونوا مع السيسي، أكثر من 12 مليوناً من عاصري الليمون الذين انتخبوا مرسي، ومثلهم انتخبوا أبو الفتوح وحمدين، وهذه الملايين تعتبر السيسي عدوا للثورة واستمرارا لحكم العسكر، ذلك الحكم الذي نجح المشير طنطاوي خلال مرحلته الانتقامية في المحافظة عليه، وعلى مبارك وعلى السيسي نفسه الذي رأى البعض فيه خروجاً آمنا لطنطاوي، أكثر من كونه خلاصاً رحيماً من المشير، الذي كان يباهي العالم بأن المجلس العسكري قد حمى الثورة، في وقت يحق لنا أن نقول أنه عمى الثورة وفقأ عيون الثوار، ولما انكشف الملعوب خرج في لقاء حديث يصف 25 يناير بالمخطط الهادف إلى تخريب مصر، والثوار بالمجرمين والبلطجية!

(6)

لا تعنيني شخصياً فرص وحظوظ حمدين صباحي، كونه مناضلاً ثورياً أو ديكوراً، لا فرق عندي خاصة بعدما برزت تناقضاته في أعقاب الانتخابات الرئاسية الأولى التي توهمنا خلالها بميلاد الحرية وبزوغ فجر الديمقراطية في مصر، لكننا أستيقظنا على كابوس مسرحية هزلية تهاوت بعض فصولها منذ شهور، بحملة جس نبض كارتونية للفريق سامي عنان، الذي أعلن انسحابه دون أن يترشح أساساً، وحملة خزعبلات وكرامات رجوع اللواء الميت الحي عمر سليمان في الوقت المناسب، ومن بعد ذلك طرح اسم اللواء مراد موافي، واللعب باسم المستشار هشام جنينة، ليأتي تهافت وانسحاب المحامي خالد، ومروراً بحكايات رجوع الفريق شفيق الذي مات الكلام بشأنه الآن، وليس انتهاءً بمرتضى منصور وشعاره الساحر "نحمل السي ديهات لمصر"!

(7)

ما تشهده مصر منذ 3 يوليو 2013، أشبه بوضع يد وامتداد للتفويض، وكما كان المفوضون كثر، فأن الذين هللوا للسيسي وطبعوا بوستراته وحملت نساؤهم بنجمه ورجالهم حاضوا، وطلبت أخريات أن يغمز بعينه ويشاور، وطالبه أخرون بأن يحكم فهو الواحد القهار- على حد قولهم– هم كثر أيضاً، ولم تخدعني مقولات أن حملته الانتخابية ستكون تقليدية ولا اسراف فيها، خاصة وصور السيسي بمختلف الأحجام في كل مكان بمصر تقريباً منذ شهور، وصار الرجل زجاجة زيت ومنشط جنسي الاثنين في واحد – (راجع اعلان زيت السيسي رئيسي في بيتي)، وشيكارة أرز وكيس مكرونة، وطرازات ملابس حريمي وصوره على الأكواب والصواني وأدوات المطبخ والمفروشات، وبطاقة رقم قومي باثنين جنيه، تقام حولها حلقات كاملة من برامج توك شو تتغزل في وطنية المصريين الزائدة، ومروراً بأن أصبح الرجل خلف قمة الإعجاز العلمي في علاج الايدز والفيروس سي، بصباع كفتة نتغذى عليه، ومليون وحدة سكنية تهبط من السماء للمشردين بلا مآوى وساكني القبور ومشروع عظيم لإيواء الملايين من أطفال الشوارع –أفلح إن صدق- أبعد هذا تطالبوه ببرنامج؟ كيف تطالبوه ببرنامج وهو مرشح الضرورة ومرشح الأزمة في زمن الأزمة؟!

السيسي إن نجح قدسوه وإن فشل، فالمهمة صعبة والتحديات كثيرة ولا تخفى على أحد، وقد صارحكم بها حين قال:" تقشفوا"، ولازم جيل جيلين يضحوا من أجل مصر!

(8)

وفروا أموال الشعب ونفذوا مخططكم كاملاً وللنهاية، فمصر المنهارة اقتصاديا لم تنس مليارين ونص المليار أنفقتهم على انتخابات برلمان مرسي الذي تم حله لعدم الدستورية، وحتى لا نخدع أنفسنا فضوها سيرة وأعملوا بكلام المستشارة تهاني الجبالي، النائب السابق لرئيس المحكمة الدستورية العليا، التي طالبت بإلغاء الانتخابات الرئاسية القادمة، وتعيين المشير عبدالفتاح السيسي رئيسًا للجمهورية في أقرب فرصة، توفيرًا لنفقات الانتخابات التي تبلغ حوالي مليار جنيه ونصف، لسنا بحاجة لنفقات اضافية، تثقل كاهل الاقتصاد المصري المتعثر أصلًا.

( 9 )

الواقع يشير إلى أننا نسير في الاتجاه الخطأ، فالسفينة تخرج عن المسار الديمقراطي لتعيد بناء الاستبداد وحكم الفرد، الذي سيركز جل اهتمامه فور فوزه السهل بمقعد الرئاسة، على تأسيس حزب سياسي، يمكن أن يكون "الحزب الديمقراطي الوطني"، ثم تعمل آلة إعلام النظام الجديد، لتردد ليل نهار أحاديث عن إنجازات الرئيس الذي سيصير مع الوقت زعيماً وحزبه هو حزب كل المصريين، وستتكرر مانشيتات من نوعية "العالم ينصت لحكمة السيسي" ولهذا كله يجب أن يستمر في موقعه لدورات أخرى، ويتم تعديل الدستور خصيصاً لهذا الغرض كونه لا بديل له ولا بديل عنه، وكيف لا وقد بدأ حياته مرشحاً للضرورة، والضرورات تبيح المحظورات الدستورية!

لست أبنا لتجربة عبثية كتلك، ولن أتوانى عن نقد الرئيس المقبل أياً كان أسمه بشراسة ونزاهة وموضوعية إذا ما أخطأ وتجاهل مطالب وحقوق شعبه، فإن فشلت تجربته -ولا أود لها ذلك– فليتحمل هو والمدبرون والمفوضون حماة الوطن من الإرهاب تبعات ذلك الفشل!