الشاعر المصري عماد قطري يكرم صاحب 'الحصان' مصطفى الأسمر

اعتراف بالجميل

بعد أن حملت دورته الأولى اسم الروائي عبدالحكيم قاسم، والثانية اسم الأديب نجاتي عبدالقادر، تحمل الدورة الثالثة لمركز الشاعر عماد قطري للإبداع والتنمية الثقافية في مصر اسم أديب دمياط مصطفى الأسمر المولود في 25 يونيوم حزيران 1935 الراحل عنا يوم 11 أكتوبر/ تشرين الاول 2012، وهي الدورة التي تمنح جوائزها في القاهرة الخميس المقبل في احتفالية يدشن فيها الكتاب التذكاري الذي أعده ابنه المهندس أيمن مصطفى الأسمر بعنوان " لمحات إنسانية ومشوار من الإبداع" الذي ذكرني بكتاب الراحل مصطفى الأسمر عن عمه الشاعر محمد الأسمر الذي حمل عنوان " رحلة شاعر .. السيرة والإبداع" والذي أسهم في لفت انتباهنا إلى موهبة هذا الأديب الدمياطي العصامي الذي ثقف نفسه بساعده وهو يزامل والده في محل الموبيليا بإحدى حارات دمياط الشعبية، هذا الثغر الذي طبع أهله بسمات يندر أن نجدها لدى غيرهم من المصريين، وفي مقدمتها عشق العمل، والتفنن فيه، وزرع الوله به في نفوس النشء، وممارسة الإقتصاد كسلوك يومي، وهو ما يظنه البعض بخلاً، بينما أعتبره فلسفة، من باب الإقتاع ..لا التعصب، فأنا لست دمياطياً، لكنني معجب بهذا النمط من البشر الذي عرف كيف يعيش حياته ويحيلها إلى إبداع جميل.

وقد كان مصطفى الأسمر، ومن قبله أصدقائي المبدعون الدمايطة: طاهر أبوفاشا، عبدالعليم عيسى، فاروق شوشة، زكي نجيب محمود، بنت الشاطىء، وبعدهم: سمير الفيل وعزة بدر ومحسن يونس ومحمد العتر أصدق دليل على هذا الزعم.

ولن أتحدث كثيراُ عن العلاقة الطويلة التي ربطتني بهذا المبدع النبيل الذي أخلص لقلمه، وتشهد على هذا فصول سيرته التي يضمها كتاب ابنه عنه وما تنطوي عليه من اعترافات شجاعة، لعل من أهمها كيف تمكن من قراءة عيون الأدب الإنساني مترجماً مقابل مليمين لإستعارة الكتاب لمدة ليلتين من إحدى مكتبات دمياط.

فهدفي هو الإشارة إلى غيري من الأقلام التي أسهمت في تحرير هذا الكتاب الذي أعتبره لمسة وفاء ابن بار بأبيه المبدع، كما أنه تقدير مؤسسة ثقافية أهلية لعطائه ولإخلاصه للإبداع السردي، القصصي والروائي، والمسرحي أيضاً.

ومن أكثر ما لفتني في هذا الكتاب رأى الناقد السكندري شوقي بدر يوسف الذي يشير إلى أن الأسمر يعزف دائمًا في إبداعه القصصي على وتر التخييل والفانتازيا.

وتجربته الإبداعية التي تمتد إلى ما يزيد على خمسة عقود من الزمان، شهدت تحولات عديدة في حياة الكاتب ونسق الكتابة عند جيله والأجيال اللاحقة له، ومصطفى الأسمر قاص يكتب الحكاية بأسلوبه الخاص وبنسق لا يشترك معه فيه إلا القارئ المتذوق لإبداعه الواعي المتلقي لصيغته السردية فقط. الاثنان هما منتجا النص القصصي القائم على دعائم مستمدة من لغة وشكل ورؤية ومغامرة إبداعية لها ملامحها الخاصة عند الكاتب.

اللغة الفنية للنص ينتقي مفرداتها وجملها وتنضيدها الخاص من داخل هذه الرؤية المراد توجيه رسالتها إلى ذائقة المتلقي، والشكل يعمد إلى جعله جديدًا وغير مألوف، يحمل دائمًا شيئًا جاذبًا، بل هو يجعل المتلقي يشاركه هم الإبداع قبل هم التفسير والتحليل. كما أنه يبحث عن الواقعي في غير الواقعي وفي تجليات ما وراءه من رؤى تخييلية يسقطها دائمًا على الواقع المعيش وما يدور في تضاريسه وخباياه، يحتفي دائمًا ببؤرة وعين الكاميرا التي يرى من ورائها كل شيء ويفسر من خلالها الواقع بكل ما يحمل من تأزمات وأمور حياتية لها وقعها الخاص.

ومجموعة "رحلة س" الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب تمثل حالة خاصة من حالات الشأن القصصي التجريبي المتناغم مع طبيعة ما يجري داخل حياتنا اليومية من وقائع تتماهى وتتغرّب وتشهد من التحولات الكثير والكثير.

ويحتفي الأسمر بنظام المستويات النصية في إبداعه القصصي فهو يعمد إلى أن يحتوي النص على أكثر من مستوى يحقق له أكثر من رؤية، بل هو يعمد إلى تأصيل دافعية التأمل بين الرؤية ونقيضها في بعض الأحيان بحيث يتغلغل في نسيج النص مستخدمًا العديد من الوسائل اللغوية والاستطرادية والنفسية والجمالية لإبراز نواح وأبعاد يؤسس من خلالها مكونات جديدة للسرد القصصي في عالمه، ومجموعة "رحلة س" تتضمن ثلاثة عشر نصًا قصصيًا تتميز برصد الحياة من الداخل وليس من خارجها.

ويقول الناقد سامي فريد "هكذا تمضي بنا قصص مجموعته القصصية \'رحلة س\'، في قصته الأولى "جزر" تتحول كل الموجودات إلى جزر متنائية تفصل بينها بحار لجية يغشاها موج كله ظلمات .. بين الزوج وزوجته وفي دواوين الأعمال وفي المطعم وفريق الكرة بالنادي ويحاول بطل القصة أن يحتفظ برأسه فوق اصطخاب الموج لكن كل شيء يشده إلى القاع فلا يجد أمامه إلا أن يرفع يده الحاملة ببطاقة هويته عاليا كأنما هي آخر دليل يثبت آدميته وأنه كان موجودا لكنه فيما يبدو سيلقى مصيره المحتوم عندما يهوى إلى أعماق الظلمة والنسيان. ومع آليات الحلم وبراعة كاتب يمتلك أدواته بقوة يحكي مصطفى الأسمر في قصته \'الدائرة\' عن ذلك الحلم الذي يراود بطله في أن يمتلك عزبة تنقله من الفقر إلى الثراء الفاحش ليحقق كل أحلامه لكنه يعدل عن حلم المزرعة إلى حلم التجارة والثروة والسهر والخمر والنساء".

ومن التجارة إلى سطوة الوظيفة والنفوذ والتحكم بالآخرين إلى حلم الفن والشهرة أو حلم اعتلاء المنابر للوعظ لكن كيف ومن أين يبدأ؟ هذا هو السؤال الذي يحير البطل النموذج الذي يقدمه المؤلف ملخصا أحلام كل الناس وتكون النهاية أن يقعد البطل في حجرة وسط المقابر ينتظر نهاية بلا أحلام.

هذه الجزر التي بدأ بها المؤلف مجموعته تتأكد في قصة أخرى بعنوان "جمود" عندما ينعدم التواصل بين الناس (هز رأسه ولم يتكلم .. استمر يهز رأسه ولا يتكلم) وهكذا (قلت له اسمعني .. اكتفى بهز رأسه ولم يتكلم) وكانت النتيجة أنه رأى رأس من يتحدث إليه (خالية من الفم والأنف والأذنين والعينين تهتز ولا يتكلم) فانعدام التواصل بين البشر موت أكيد .. ويفقد البطل إرادته فينوب عنه الآخرون في كل شيء: في الانتخاب وتغيير بيانات الهوية ولقائه مع رئيسه في العمل، كل هذا عند مصطفى الأسمر نوعا من القتل عندما يفقد المرء إرادته فتنمحي هويته، وتتداخل القصص وتتعدد طرائق السرد.

في قصة مثل "البحث" يروى المؤلف أحداث قصته من خلال رؤيتين أحداهما للبطل (الأنا) والثانية للراوي. ولا تخلو بعض قصص المجموعة من محاولات للمقاومة والرفض تواجه محاولات أخرى للسيطرة والقهر.

وتتوالى شهادات ما بعد الرحيل من: فؤاد قنديل، وقاسم مسعد عليوة، والدكتورة عزة بدر التي تقول "بجوار جامع البحر بمدينتي الحبيبة دمياط يقع معرض مصطفى الأسمر مكتوب على اللافتة " موبيليات الأسمر" ومن خلال الأبواب الزجاجية للمعرض كان مصطفى الأسمر يرى بعينه الثاقبة مجريات الأحداث اليومية، ويرسم صورًا بصرية للحياة الشعبية التي تتدفق بين يديه على كورنيش النيل، وعلى قيد خطوات منه في سوق الخضار وسوق الحسبة والتجاري والشرباصي.

في المرات القليلة التي ذهبت فيها إلى معرضه بصحبة الشاعرين سمير الفيل وعيد صالح كنت أتأمل هذا الموقع الفريد لمعرضه، وأرى مصطفى الأسمر نحيلًا يضطرم بالحماس وهو يتحدث عن آخر ما قرأ أو أحدث ما كتب.

يتركنا للحظات عندما يدخل أحد المشترين ويعود سريعًا.. لم يبع شيئًا من الأثاث المتقن المرصوص بعناية ولم يتفق على شيء قد يباع بعد حين! لكنه كان يعود إلينا أكثر حماسًا لاستكمال الحديث في شئون الأدب وكأن أمر بيع الموبيليا المرصوصة لا يعنيه في قليل أو كثير! .

كان دائمًا يقول لنا معتزًا بأنه لا يعتبر نفسه أديبًا من أدباء الأقاليم، وهو الذي لم يسافر إلى القاهرة إلا مرات قليلة وظلت كل علاقته بالعاصمة طابع بريد يرسل به قصصه وإبداعاته إلى مجلاتها وصحفها.

كان يقول دائمًا إن "شتاينبيك" لم يغادر مسقط رأسه إلا مرة واحدة ليتسلم جائزة نوبل ونجيب محفوظ لم يغادر القاهرة ومع ذلك وصل إلى العالمية من اعتزازه بالحارة المصرية ويضيف بحماس "لو كنت استجبت لرغبتي في سنين الشباب وغادرت دمياط لما أنجزت شيئًا مما كتبت".

وكانت كتاباته بالفعل غزيرة ومتنوعة فقد أثرى المكتبة العربية بخمسة وعشرين كتابًا ومن هذه المجموعات والروايات "لقاء السلطان"، " الصعود إلى القصر"، "انفلات"، "غوص مدينة"، "هذه الأقوال لكم"، "جديد الجديد في حكاية زيد وعبيد".

جاءت عناوينه الساخرة لتؤكد نزعته النقدية الواضحة في كتاباته، فكانت أعماله "ابتسموا للحكومة"، "الرعية تبتسم والحكومة تشاطرها الأحزان"، كما كان ينزع إلى التجريب ففي كثير من أعماله الأدبية لجأ إلى الفانتازيا ولكنه استخدم المفردات الواقعية وأثارت بعض رواياته إشكالية علاقة الفانتازيا بالواقع وتبدت بخاصة في روايته "جديد الجديد في حكاية زيد وعبيد"، وكان الموقف الفانتازي فيها موقف الإنسان الذي حدد يوم موته وجنازته.

وقد اهتم النقاد في هذه الرواية بتنوع أساليب السرد حيث استخدم اللغة التراثية في شكل مرقومات واللغة الوسطى بين اللغة الأدبية والتقريرية في نصوص الحواشي ولغة صحفية في الهوامش مما جعل هذه الرواية توثق لنهجه في الكتابة وفكره الذي يميل إلى الحوار والرغبة في الاختلاف والتأكيد على فكرة أن لا أحد يظن أنه وحده يمتلك الحقيقة وقد ظلت الفانتازيا سمة أساسية في كتاباته حتى في قصصه القصيرة ومنها قصة "الحصان" التي كانت آخر ما كتب ونشرت بتاريخ 7 أكتوبر/ تشرين الاول 2012.

وتتبدى سمات أدب مصطفى الأسمر في هذه القصة مثل بللورة نقية تحمل روح أعماله الإبداعية وفكرة هذه القصة تدور حول الحصان الذي يحمل بين جوانحه أصالة الماضي البعيد ويحمل على كاهله كل ذكريات المدينة التي يعرف ناسها وأطفالها علية القوم وأكثرهم فقرا .. كان يحمل في الحنطور أبناء المسئولين وعلى عجلاته الخلفية الأطفال الفقراء الذين يتنافسون فيما بينهم على الركوب وإذا لم ينجح أحدهم في ذلك صاح "كرباج ورا يا أسطى .. مغموس بوية يا أسطى!" ولكن الحوذي المحب لا يفعل "فالحصان سعيد بالأطفال الذين يركبون داخله وسعادته تكون أكثر بكثير إن صادفته مجموعة من الصغار بملابسهم البالية.

وعلى طريقة مصطفى الأسمر فإن هذا الحصان الواقعي فانتازي في نفس الوقت فهو متحضر على أكمل ما تريده المدنية الحديثة فهو يحترم إشارات المرور "يقف دائمًا إن ظهرت إشارة حمراء ولا يتكاسل عن السير إن تحولت الإشارة خضراء ويستعد لمواصلة طريقه إن كانت صفراء"! ولكن ما طرأ على المجتمع من تغيرات تصنع أزمة هذا الحصان بل وأزمة صاحبه رغم أنهما على درجة كبيرة من التحضر واحترام القوانين فيأتي إلى المدينة شرطي غريب منقولًا من مدينة أخرى بعيدة فيستوقفهما ويأخذ الرخصة ويحرر مخالفة، ويدفع الحصان وصاحبه قيمة المخالفة ربما بسبب انقراض الحنطور وحلول الميكروباص ليلعب دوره في حياة الناس، وهنا يتوحد الحصان مع حزن صاحبه ويذهبا إلى الترعة وفي مشهد من أجمل مشاهد القصة يصور الأسمر هذه الروح الإنسانية التي تجمع بين الحصان وصاحبه، فيقول "واستغرقتهما حلاوة الماء فأخذ الحوذي يجرف الماء بكفيه ويرش بها الحصان، والحصان يبادله رش الماء برأسه وعنقه إلا أنهما لم ينتبها إلى أن الشمس قد اختفت وحل الظلام ولا قمر ينير المكان ولا نجمة، فخرج الاثنان من الماء عائدين إلى حجرتهما في الحي الفقير وساكنيه من الفقراء وهما يتذكران الأيام السعيدة التي قضياها معا".

إلا أن القصة مازالت ترصد سيناريو فن صناعة الأزمة فيصطدم الحصان وصاحبه بالميكروباص وهو اللقاء المنتظر الذي تم تأجيله إلى النهاية، ويحاول سائق الميكروباص عامدا وساخرا الاصطدام بهما ومن معه يضحكون بصوت عال ويصفقون، وهنا يبرز الكاتب المتغيرات الجديدة التي أثرت على حياة المدينة، وما طرأ عليها من قسوة وعنف وهنا " نظر الحصان حيث سقط صاحبه فرآه ساقطًا مكومًا على أرض الشارع والدماء تنزف من جروحه وعيناه تنظران إليه مستنجدة، فجاهد ليصل إلى صاحبه زحفًا حتى وصل إليه فنظرا إلى بعضهما البعض ولم يتكلما"، هذا الصمت الذي هو أبلغ من الكلام وكأن مساحة جديدة للبوح أو مساحة جديدة من صمت تفصح عن نفسها ببلاغة الألم الذي تبادلته الأعين..

حكاية الحصان التي تعددت بشأنها الأقوال والروايات حتى بلغت تسعة عشر حكاية وكلها تستحق أن تذكر وتسجل كميزة تتميز بها هذه المدينة، فالحصان الذي شغل ناس المدينة عائد لا محالة مثل أسطورة، لن يقنع فقط بالسباحة في الترعة أو مواساة صاحبه، بل سيأتي غاضبًا وثائرًا متخلصًا من عريش العربة التي كان يجرها، متخلصًا من أرسانه ومسقطًا لجامه، متحدثًا بكلام مثل كلام البشر "انتظروني كلكم فأنا قادم لأفعل هذا"، وعندما اختفى الحصان ولم يعد له أثر قص الناس حكاياتهم المتعددة عن أسطورة الحصان التي اختار الكاتب أن يجعلها قصتين قصة حصان أول وقصة حصان ثان لعبا هذا الدور الحميم في حياة الناس في هذه المدينة بل لعبا دورا في خيالهم وتصوراتهم الشعبية.

لقد كان مصطفى الأسمر معتزا بمدينته عاشقا لها يذكر فضلها ويود لو يفرد لميزاتها وخصائصها ألف حكاية وحكاية وهو ما آثر أن يفعله دائما، فإذا مررت على معرض الأسمر في دمياط على شاطئ النيل فتذكر دائما هذا الأديب العاشق لمدينته وتغنى بها في أدبه .. توقف عند جامع البحر وتأمل مقام علي الصياد على الشاطئ المقابل، اعبر إليه بمركب بمجدافين، تأمل نخيل البلح في السنانية، وحدق في كل درب فقد تجد هذا الحصان الذي يحفظ تاريخ المدينة عاشقا لأطفالها الفقراء، وتذكر قصص مصطفى الأسمر واجلس قليلا فى حديقة بنت الشاطئ، وامض بعيدا لتجد تمثال العالم مصطفى مشرفة، فإنها مدينتي التي عشت فيها طفولتي وصباي.. دمياط التي عشقها كل من سكنها، وكل من زارها تغنى بسحر المدينة وكان مصطفى الأسمر من أبرز عشاقها.