الشبكة الجهنمية التي قتلت فرج فودة

لعل توضيحنا للدائرة الجهنمية التي اغتالت شهيد الكلمة والرأي الدكتور فرج فودة تفيد مصر في محاربة الدائرة الشيطانية التي تستهدف ابنائها من سيناء إلى اعماق الصعيد، وتكون مفيدة أيضا للنظام الجديد في تجنب الأخطاء التي وقع فيها نظام مبارك وأدت إلى توحش هذا التيار، والتي تركزت في المزايدة الدينية الرسمية على هذا التيار من ناحية والتفرقة الوهمية بين المعتدل والمتطرف منهم من ناحية أخرى، وعلى حد قول المفكر الراحل نصر حامد ابو زيد "إن الفروق بين المعتدلين والمتطرفين في تيار الإسلام السياسي هي في الدرجة وليست في النوع."

في عام 1991 منحت الدولة المصرية جائزة الدولة التقديرية للشيخ الراحل محمد الغزالي، واحتفت به الدولة كقائد لقوافل التوعية للمتطرفين(!) علاوة على كونه كان ضيفا دائما على التليفزيون المصري كوجه من وجوه الاعتدال الديني كما كان يراه صفوت الشريف.

في 8 يناير 1992 حدثت مناظرة تاريخية حول الدولة المدنية والدولة الدينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب كان طرفاها الشيخ محمد الغزالي ومعه المرشد الأسبق لجماعة الاخوان السيد مأمون الهضيبي وثالثهما كان محمد عمارة وفي الطرف المقابل كان دكتور فرج فودة ومعه دكتور محمد احمد خلف الله، وفي هذه الندوة افحم فرج فودة مناظريه بقوة حجته وعمق ثقافته الإسلامية وفصاحة أسلوبه وخفة ظله وهدوء اعصابه واحترام محاوريه، في حين أن الطرف الآخر كان عصبيا متشنجا مهددا، وافصح مأمون الهضيبي عن وجهه الإرهابي قائلا "أننا تقربنا إلى الله بأعمال التنظيم الخاص للاخوان المسلمين"، أي أن القتل والإغتيالات والتفجيرات هي عنف مقدس من أجل نصرة الجماعة ومن ثم نصرة الإسلام.

كانت هذه نقطة البداية في خطة اغتيال فرج فودة، فبعدها بأسابيع ظهر الشيخ محمد الغزالي في برنامج "ندوة للرأي" على التليفزيون المصري وقال بوضوح "أن من يدعو للعلمانية مرتد يستوجب أن يطبق عليه حد الردة"، وكان فرج فودة قد الف كتابا للدعوة للعلمانية تحت عنوان "حوار حول العلمانية"، كما كان داعية جهير الصوت شجاعا في مواجهة الدولة الدينية.

توالت بعد ذلك ردود الافعال المرتبة، فنشرت جريدة النور في يوم 1 يونيو 1992، أي قبل اغتياله باسبوع واحد، بيانا لجبهة علماء الأزهر (ندوة علماء الأزهر وقتها) برئاسة عبدالغفار عزيز ونائبه محمود مزروعة يكفر فرج فودة تكفيرا صريحا بدعوة أنه مرتد ومن ثم يستوجب القتل، وافتى عمر عبدالرحمن بدوره بكفره، وتوالت بعد ذلك فتاوي تكفير فرج فودة فقال وجدي غنيم "قتله هو الحل"، وانتشرت دعاوي تكفيره وقتله في عشرات المنابر الإسلامية المختلفة.

قبل اغتيال فرج فودة بعشرة أيام وبالتحديد في 27 مايو 1992 قال الشيخ محمد الغزالي في ندوة بنادي هيئة التدريس بجامعة القاهرة عن د.فرج فودة وعن د. فؤاد زكريا "أنهم يرددون كلام أعداء الإسلام في الخارج.. ربنا يهديهم... وإن ماهداهمش.. ربنا ياخدهم"، وكانت هذه، مع بيان ندوة علماء الأزهر، بمثابة رسالة التكليف بالقتل. وقد جاء بالفعل تكليف القتل سريعا من صفوت عبدالغني من داخل محبسه، والذي كان مسجونا بتهمة أغتيال دكتور رفعت المحجوب، ونقل محاميه للقتلة التكليف وبدأ في تنفيذه.

في يوم الاثنين 8 يونيو 1992 تحرك عبدالشافي رمضان واشرف السعيد بتكليف من محامي صفوت عبدالغني واستقلا دراجة بخارية بعد أن جهز لهم الأسلحة والذخائر إرهابي آخر وهو ابو العلا عبد ربه. وفي السادسة من مساء ذلك اليوم سالت الدماء الطاهرة للشهيد فرج فودة أمام الجمعية المصرية للتنوير التي أسسها في مصر الجديدة، وكانت هذه بمثابة رسالة واضحة للعالم كله أنه دفع حياته ثمنا لرسالته التنويرية في بلد يعج بالظلامية والتكفير والإرهاب. في نفس اليوم خرج مأمون الهضيبي متحدثا لإذاعة الكويت ومهللا وشامتا في مقتله، ونشرت الجماعة الإسلامية بيانا تقر فيه بمسئوليتها عن مقتله وأنها قتلته تطبيقا لفتوى العلماء.

هرب عبدالغفار عزيز إلى الكويت بعد استشهاد فرج فودة فاستدعت المحكمة نائبه محمود المزروعي للشهادة فقال أمام المحكمة أن "فرج فودة مرتد باجماع المسلمين ولا يحتاج الأمر إلى هيئة تحكم بارتداده، وهو مستوجب القتل". وتطوع محمد الغزالي من تلقاء نفسه وذهب للشهادة لكي يحاكم القتيل ويساند القتلة وقال في شهادته "أنهم قتلوا شخصا مباح الدم ومرتد وهو مستحق القتل، وقد اسقطوا الإثم الشرعي عن كاهل الأمة، وأن تجاوزهم الوحيد هو الافتئات على الحاكم، ولا توجد عقوبة في الإسلام للافتئات على الحاكم. إن بقاء المرتد في المجتمع يكون بمثابة جرثومة تنفث سمومها بحض الناس على ترك الإسلام، فيجب على الحاكم أن يقتله، وإن لم يفعل يكون ذلك من واجب آحاد الناس". ولم يكتفِ محمد الغزالي بذلك بل نشر بيانا مساندا لمحمود المزروعي وقع عليه وقتها من الشيوخ المعروفين محمد الغزالي ومحمد متولي الشعراوي ومحمد عمارة، وذلك قبل أن يهرب المزروعي هو الآخر للسعودية بعد عملية القتل بشهرين.

حكمت المحكمة باعدام المتهمين الاول والثاني والحكم بالسجن المؤبد على المتهم الثالث ابو العلا عبد ربه، وجاء محمد مرسي وافرج عنه مع العديد من الإرهابيين والسفاحين والقتلة الذين افرج عنهم مرسي بعفو رئاسي خاص.

لم تكتفِ الدولة بخطأها الجسيم بعدم حماية المرحوم فرج فودة فحسب في وقت كان محاطا بالخطر من جميع الاتجاهات، بل أنها ظلت تحتفي بمحمد الغزالي في منابرها وفي عضوية مجمع البحوث الإسلامية حتى رحيله عام 1996، وكذلك منع التليفزيون الرسمي الإعلان عن فيلم الإرهابي الذي كان إعلانه يظهر الفنان محمد الدفراوي وهو يسقط صريعا تحت رصاص الإرهاب، حيث جسد في الفيلم دور المرحوم فرج فودة.

أما الشيخ محمد الغزالي فواصل تكفيره بعد ذلك ونشر في عموده بصحيفة الشعب مقالا عن المفكر الإسلامي الكبير المستشار محمد سعيد العشماوي متهما اياه بأنه يدعو للشذوذ واللواط، متسائلا هل يحتاج شخص مثل هذا إلى فتوى لتكفيره؟ اي أنه كافر مستحق القتل بدون فتوى!

الجدير بالذكر أن الشيخ محمد الغزالي كان من الرعيل الأول لمؤسسي جماعة الاخوان المسلمين، وكان عضوا بمكتب الإرشاد في وقت مرشدها الثاني حسن الهضيبي ثم اختلف مع الهضيبي وقتها وانضم للتنظيم الخاص للجماعة وفقا لما نقله أمين المهدي عن الكاتب الإسلامي خالد محمد خالد.

مما هو جدير بالذكر أيضا أن محمد الغزالي، كما حدث مع تلميذه القرضاوي بعد ذلك، سافر لقطر لمدة خمس سنوات، ثم سافر مع تلميذه القرضاوي لتأسيس الجامعة الإسلامية بالجزائر والتدريس بها، وهو ومعه القرضاوي يعتبران الأبين الروحيين للإرهاب في الجزائر والذي حصد أكثر من مائتي الف نسمة في تسعينات القرن الماضي.

ورحل الغزالي وورثه تلميذه القرضاوي في مجمع البحوث الإسلامية وفي نشر التطرف والإرهاب، بعد أن نعاه في احد كتبه "الشيخ محمد الغزالي كما عرفته"، وواصل القرضاوي ما بدأه استاذه وتفوق عليه في التكفير والتخريب والتحريض بفضل الاموال الطائلة التي وفرتها له قطر ومنبر الجزيرة الذي يصل لعشرات الملايين.

إن نفس الوجوه ونفس الشبكة الجهنمية التي افتت وخططت ونفذت وباركت قتل فرج فودة، سواء كانت من شيوخ رسميين أو إسلاميين من مختلف الاطياف، هي نفسها تقريبا التي تخطط وتمول وتنفذ وتفتي حاليا بقتل جنودنا وضباطنا وابنائنا في كل مكان في مصر: القرضاوي خليفة الغزالي، جبهة علماء الأزهر، التنظيم الدولي للاخوان، وجدي غنيم وكل من على شاكلتهم.

فهل نستفيد من دروس اغتيال فرج فودة؟ أم أن عصب الدولة المصرية يحمل الكثير من فيروسات التطرف والتعصب والتخلف داخله ومن ثم سنستمر ندور ونلف في تلك الحلقة الجهنمية من التطرف والعنف والإرهاب؟