الشرع يقطع مع ماضيه الاسلامي: 'الاقتصاد أولًا'

الرئيس السوري يسعى إلى بناء صورة لرجل دولة ينأى بنفسه عن الخطابات الثورية والدينية، ويقدّم نفسه كشريك معتدل يمكن الوثوق به إقليميًا ودوليًا.
الشرع يتبنى مشروعا اقتصاديا وطنيا يستند إلى الشراكات الإقليمية والانفتاح على الاستثمارات الأجنبية
الرئيس السوري ينتقد ايديولوجيا الاخوان والتيارات الجهادية

دمشق - أكد الرئيس السوري أحمد الشرع في لقاء جمعه بعدد من الإعلاميين العرب، أن مشروعه للحكم في سوريا يقوم على الواقعية الاقتصادية والانفتاح الدولي، بعيدًا عن أي اصطفاف أيديولوجي، دينيًا كان أو قوميًا في خطوة تعبّر عن تحول استراتيجي في الخطاب السياسي، حيث قال صراحة "أنا لست امتدادًا لأي حزب إسلامي، ولا أرتبط بالجماعات الجهادية، بل كنت المتضرر الأول من الإرهاب الذي ضرب سوريا".
هذه التصريحات، التي نشرتها صحيفة "النهار" الكويتية، جاءت في وقت تعمل فيه دمشق على إعادة بناء علاقاتها الإقليمية والدولية، وتسعى لإعادة تقديم نفسها كدولة تسير في طريق الاعتدال والانفتاح، بعد سنوات من الاضطراب والعزلة.
ولأعوام طويلة، كانت صورة أحمد الشرع مرتبطة في أذهان الكثيرين ببيئات إسلامية وفكرية مغلقة خاصة وانه تبنى في ريعان شبابه فكر القاعدة، وهو ما يُرجعه محللون إلى مراحل من نشاطه السياسي قبل صعوده إلى الحكم، خاصة في ظل تبنيه لخطاب "الهوية الإسلامية المتطرفة" في بداياته. إلا أن المرحلة الحالية تشهد انقلابًا شبه كامل في هذه المقاربة.
ويقول الشرع بوضوح خلال اللقاء إنه لا يرى في الإسلام السياسي أو في التيارات الجهادية مشروعًا لحكم سوريا أو لإخراجها من أزماتها. بل ذهب أبعد من ذلك حين شدد على أن "جميع الأيديولوجيات، سواء القومية أو الإسلامية، أثبتت فشلها في بناء دولة مستقرة واقتصاد منتج في المنطقة".

جميع الأيديولوجيات سواء القومية أو الإسلامية أثبتت فشلها في بناء دولة مستقرة

وأكد أن ما يحمله اليوم هو "مشروع اقتصادي وطني يستند إلى الشراكات الإقليمية والانفتاح على الاستثمارات الأجنبية"، لا سيما في ضوء رفع العقوبات الأميركية وانفتاح عدة دول، مثل السعودية وفرنسا، على التعاون مع دمشق.
ويُنظر إلى هذه المواقف باعتبارها جزءًا من حملة أوسع يقوم بها الرئيس السوري لتسويق حكمه في الخارج على أنه مختلف عن النظام السابق، الذي اتُّهم لعقود باستخدام الأيديولوجيا أداة للسيطرة والتعبئة. واليوم، يسعى الشرع إلى بناء صورة لرجل الدولة الذي ينأى بنفسه عن الخطابات الثورية والدينية، ويقدّم نفسه كشريك يمكن الوثوق به إقليميًا ودوليًا.
وقد صرح نديم قطيش، مدير عام "سكاي نيوز عربية"، الذي حضر اللقاء مع الشرع، بأن الانطباع الأبرز الذي خرج به هو أن الرئيس السوري الجديد "لا يريد أن يُحسب على أي تنظيم إسلامي في عقلية الحكم"، مشيرًا إلى أن الشرع يكرر في أحاديثه مصطلح "المرجعية الاقتصادية" بدلًا من "المرجعية الأيديولوجية".
وفي هذا السياق، لا تبدو تصريحات الرئيس السوري مجرد مناورة سياسية، بل تتزامن مع تغيّرات فعلية في الخطاب الرسمي. فقد دعا المستشار الإعلامي للشرع، موفق زيدان، جماعة الإخوان المسلمين في سوريا إلى حل نفسها، أسوة بما قامت به منظمات سياسية وعسكرية أخرى بعد سقوط النظام السابق. وقال زيدان إن الجماعة، بقيادتها "الهرمة"، لا تملك ما تقدمه في المرحلة الجديدة، وإن شكلها التنظيمي الحالي "أصبح عبئًا على البلاد".
وعلى أرض الواقع، يظهر هذا التحول من خلال سعي دمشق لاستقطاب الاستثمارات من الخليج وأوروبا، والتركيز المتزايد على البنية الاقتصادية كمدخل لإعادة الإعمار وإعادة بناء الثقة الدولية. وفي هذا السياق، زار وفد سعودي رفيع العاصمة السورية مؤخرًا، كما تُرتب الحكومة لزيارة وفد اقتصادي فرنسي مطلع أكتوبر/تشرين الاول المقبل.
الشرع، الذي يدرك أن شرعيته الداخلية والدولية لن تُبنى على الشعارات بل على النتائج، يبدو أنه يراهن على "الإنجاز الاقتصادي" لا "التحشيد الأيديولوجي"، ويأمل أن تمهد هذه المقاربة لمرحلة جديدة تُخرج سوريا من مآزق العقود الماضية.
ورغم الانتقادات التي وُجهت له سابقًا بسبب ماضيه الفكري، يبدو أن الرئيس السوري يسعى اليوم بشكل واضح لفكّ ارتباطه بأي تصنيفات دينية أو تنظيمية. وفي الوقت الذي تحاول فيه دمشق العودة إلى المشهد الإقليمي والدولي، فإن تقديم صورة "الرئيس المعتدل" الذي يركّز على الاقتصاد ويتجنب الاصطفافات، قد يكون أحد مفاتيح إعادة التموضع السوري في الخارطة السياسية للعالم العربي والغرب.