الشيخ سرحال وكلبه الشرس.. قصة قصيرة

من المجهول أتى، لا أحد يعرف عنه شيئاً سوى اسمه. لا تبدو عليه آثار الذكاء وتفضحه علامات المكر والخبث والدهاء التي يغلفها بابتسامته الصفراء.

رث الملابس أشعث الشعر كالح الوجه زائغ العينين قصير القامة محدودب الظهر. إنه سرحال، يشي تكوينه البدني والعقلي عن أنه هارب من أحد تجمعات المتسولين. هكذا كان قبل أن يغويه الاحساس بالدونية وتدفعه مشاعر الطمع لاختطاف قرية في قلب الريف وتسيدها.

أهل القرية بسطاء تستوطن الأمراض أجسادهم المستنزفة من سوء الغذاء وتلوث الماء، لفظتهم المستشفى الحكومي البعيدة عن قريتهم بعشرات الكيلومترات، فلا أطباء فيها ولا دواء. أسكنت الدولة الأمية عقولهم فأعمت عيونهم عن سوء أحوالهم، فلم يتذمروا، فمنذ متى كان العبيد يتذمرون؟

يستيقظون فجراً يصلون ويتوجه بعضهم إلى شقفة من الأرض يمتلكها وأغلبهم أجراء معدمون. يقطن الجميع غرف عشوائية من طين أبوابها شرائح من صفيح وأخشاب مُشققة تقع بجوار جبانة القرية المليئة بالفئران ومختلف أنواع الحشرات، لا يتوفر فيها غير حفرة بلا ماء يقضون فيها حاجتهم،.

رأس مالهم فأساً صدأة، ومحراث مهترئ، وميسور الحال بينهم يمتلك حماراً عليل مكسورة إحدى قوائمه أو جاموسة عاقر لا ضرع لها تدور دوماً في الساقية.

تربي نسائهم بضع دجاجات نحيلة تهيم على وجهها بحثاً عن الغذاء وسط أكوام القاذورات الملقاة في حواري القرية الضيقة أملاً في الحصول على بيضة في آخر المطاف تسد رمق أطفالهن البؤساء أو لمبادلتها بسلعة أخرى.

تشق القرية ترعة كئيبة المنظر تتجمع على ضفتيها قمامة القرية وقاذوراتها من قديم الزمان وتكسوها أسراب الذباب وتمرح فيها جميع أنواع الأمراض والميكروبات، يسمح مائها الآسن لسرب من البط الشارد بالكاد أن يقتات، وفي وسط المجرى المملوء بالوحل الداكن الغائر يتمدد حمار نافق تنبعث منه رائحة نتنة تعبق هواء القرية.

لاحظ سرحال أن أهل القرية مشغولون في البحث عن قوت يومهم، ولا نقود لديهم لشراء احتياجاتهم إنما يتبادلون فيما بينهم السلع الشحيحة التي يحصلون عليها من الطيور والحيوانات المجهدة.

في تلك القرية وجد ضالته فأختار مكاناً بوسطها يعترض طريق السير وبنى لنفسه في جزء منه كوخاً لا يُلفت النظر وانتظر.

استمر الناس الكادحون في المرور بالجزء المتبقي من الطريق بجانب الكوخ وحين يتواجهون ينتظر أحدهم مرور الآخر لكنهم لا يتأففون، واعتادوا وجود الكوخ وصاحبه الذي كانوا يستصغرون شأنه.

أدرك سرحال بخبثه أن تخطيطه لن يُقابله أدنى مقاومة فانتقل للخطوة الثانية.

أحضر كلبا شرس المظهر كثير النباح وقيده بما لا يسمح له بالخروج من الكوخ وكلما مر الناس اهتاج الكلب وازداد نباحاً ويقف على قوائمه الخلفيتين محاولاً قطع القيد لمهاجمة المارة.

لم يبد أن محاولات الكلب ونباحه قد تركت أثرها في الناس، فظلوا يمرون دون مبالاة مطمئنين لعدم وصوله إليهم، واستمر تجاهلهم لسرحال واحتقاره.

هنا قرر سرحال تطوير خطته، فأطال قيد الكلب بما يسمح له بالخروج من الكوخ إلى منتصف الطريق وأصبح بمقدوره أن يفتك بالمارة.

خوفاً من الكلب اضطر أهل القرية أن يتوقفوا قبل الوصول إلى كوخ سرحال ولأول مرة كانوا مضطرين للحديث معه والتودد إليه ليمنع عنهم خطر كلبه الشرس.

استجاب سرحال لأهل القرية بكل بشاشة فكان يمسك بالكلب حتى يمر الناس بسلام، وأبدى رحمة مبالغاً فيها بكبار السن وكان يأخذ بيدهم ليمر بهم بنفسه من أمام الكلب موفراً لهم الحماية فانخدع الناس بتصرفاته فأحبوه.

أعتمد سرحال على سريان الخوف في نفوس الناس، وهو يخطط لبلوغ هدفه بزعامة القرية فقرر زيادة جرعاته.

فاختفى فجأة بعد أن جوع كلبه ثلاثة أيام فأزداد توحشاً، ولم يتمكن الناس من استعمال الطريق مطلقاً، وحين حاول أحدهم المرور انقض عليه الكلب محدثاً به جروحاً خطيرة فلم يجرؤ أحدهم على تكرار المحاولة خوفاً من نفس المصير، وهنا برز للجميع مدى احتياجهم لسرحال الذي ارتبط اسمه في أذهان الناس بأنه منقذهم الأوحد.

ساءت أحوال القرية، وتوقف الناس عن قضاء مصالحهم أو ممارسة أعمالهم، وخيمت حالة من الإحباط الممزوجة بالفزع على الجميع، وكان سرحال يُراقب ذلك من مكان اختفائه، وحين تأكد من أن اليأس قد تمكن من قلوب الناس ظهر فجأة كما أختفى، وقام بإطعام الكلب وتقييد حركته بما يسمح للناس بالمرور كما كان في السابق.

انطلقت زغاريد النساء، وتراقص الرجال فرحاً بعودة سرحال وذهبوا إليه مرحبين مهللين طالبين منه أن يتولى السهر على القرية وتوفير الحماية لأهلها مطلقين عليه لقب الشيخ سرحال.

حقق سرحال هدفه باختطاف القرية، وتزعمها وتسيدها بناءً على رغبة أهلها البسطاء المخدوعين، ولم يكن ليتمكن من ذلك لولا كلبه الشرس، الذي يعتبر من أهم أدواته للسيطرة على القرية وما فيها.

بعد أن استتب الأمر لسرحال وتأكد من أن سلطته أصبحت كاملة، ترك لكلبه حرية الانقضاض على الناس بين الحين والآخر، فقد أدرك منذ البداية أن الخوف هو وسيلته الوحيدة للاحتفاظ بمكانته كشيخ للقرية وزعيماً.

وما زال الشيخ سرحال بمصير القرية وتعذيب أهلها يمرح وما زال كلبه يُهدد وينبح ويجرح.

وتوتة توتة فرغت الحدوتة، حلوة ولا ملتوتة؟