الشيعة.. عقل محبط في الدولة العراقية

شراكة الشعب في اتخاذ القرار لم تكن نقطة منفصلة عن الرؤية الشيعية في تحديد شكل السياسة التي تكتنف الناس بدولة تفصل بين حكومة التنفيذ وبرلمان التشريع. فالدور الذي اختزلته الحوزة التي يصنفها الشيعة كياناً تابعين لإرادتها بدأت ذلك بمحمد الخراساني الملقب بـ "الآخوند"، الذي تعرفه مراجع الكتب للمؤرخين بأنه "امتداد لثورة التبغ بإيران، التي قادها استاذه الميرزا السيد محمد حسن الشيرازي، وفيها أجبر الملك القاجاري ناصر الدين شاه، على إلغاء اتفاقية بيع امتياز زراعة وانتاج التبغ الايراني الى البريطانيين الذين كادوا يستعبدون الشعب الايراني، وقد حاولوا من أجل ذلك رشوة الملك القاجاري ببضع ليرات ذهبية".

غالباً ما يذهب محققو الفكر الشيعي الى الإيلاج في ما حققته "الثورة الدستوري في ايران سنة 1905"، على انها عصارة التفكير لإنهاء الاستبداد الذي يلغي هامش الشعب بحكم الملك، ولأجل ذلك كانت النية جادة بانهاء الإرهاصات في ايران، التي اختزلها التسلط الموغل بحكم القاجاريين لاسيما في أواخر عهدهم، فبادرت فئة من "النخبة المثقفة من الذين كانوا يحسبون على ما يسمى بالطبقة الوسطى، للمطالبة بتحديد صلاحيات الملك وإعطاء الشعب قدراً أكبر ليشارك في صنع القرار"، لكن الاخوند بدعوته للمشروطة ضد الاستبداد حدد معاييره سلفاً وقيد شرط الملكية الدستوري بالتعاليم الدينية، مناهضاً بحسب ما تورده متون مرت بذكر احداث ايران بين عامي 1905 و1907، التركيز بشكل أساسي على "المفاهيم والمفردات المستوردة من قبيل الديمقراطية والتعددية وحرية الاحزاب"، الامر الذي أشكل عنده الآخوند الخراساني ولم يسمح بأن يمر هكذا مشروع في ايران، حينها دعا من "المشروطة" الى "المشروعة"، وهو ما عدّه الكثير من ناشطي الحركة "الدستورية" والمناهضين للاستبداد، بمثابة "نوع من المسايرة مع السلطان، وعدم درايته بالأمور السياسية"، ومن هنا ثار مريدو الدستورية الاسلامية، وما عدُّوه بـ "ظلم لحق بالآخوند الخراساني الذي اراد ان تكتسي ثورة الدستور في ايران حلّة الدين التي تحدد وفق قياسات لممثل المهدي المنتظر الامام الثاني عشر لدى الشيعة في حال غيبته".

قد لا تختلف عن ثوابت الخراساني في البرلمان، رؤية محور افتاء النجف عام 2005، حين دعت المرجعية الى التصويت على دستور ضمن بمبدئه الأساسي، الاسلام دين الدولة الرسمي، ومصدر أساس للتشريع، اذ "لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام"، بينما يتمدد الى "رفض سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية"، والغاء سَن أي "قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية الواردة في الدستور".

ومن هذه المحددات تبدأ ملامح العقل الشيعي المحبط، حين يقبل بدستور يمنع ما يعارض الاسلام، والديمقراطية والحريات الاساسية للشعب، اذ ان ما يصنفه الدستور هو ان الديمقراطية تحتكم للاغلبية بجوهرها السياسي، فبذلك تعارض حريات اساسية غير العقيدة للأقليات، وهذا ما وثقته النقطة الثانية من المادة اولا، حين ضمنت "الحفاظ على الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي، والدعوة لضمان كامل لحرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين والآيزيديين والصابئة المندائيين".

وعندما نتجاوز سلسلة مواد الدستور حتى نصل الى المادة 14 منه، ونقف عند اشارتها الى ان "العراقيون متساوون أمام القانون من دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الاصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي"، نجد خلافها الصريح لدين الدولة ومصدر تشريعها الاسلام الذين ينقسم اليوم على نفسه الى مذاهب في مذهبه، فلا مساواة اكيدة في دولة مصدر تشريعها وهويتها الاساسية دين يناهض الزواج المدني على سبيل المثال، ومن ثم أي دين اسلامي يُعد مصدراً للتشريع يساوي من دون تمييز بسبب الجنس او العرق بشريعة الشيعة ام السنة؟ وأي شيعة من الشيعة وأي سنة من السنة؟ فالعقدة تشتد في بلاد بلا ملامح لكيانها الذي يلغيه الدستور بالدين.

ثم ان هنالك دعوات حديثة للمرجعية تقول إنها لا تفكر بإقامة دولة اسلامية في الظرف الحالي وهو ما أكده مراراً معتمد السيستاني في الكاظمية الشيخ حسين آل ياسين بان "المرجعية او المؤسسة الدينية ليست بصدد اعلان حكم ديني ولا تريد لنفسها مكاناً في الحكم ولا تريد لطلاب الحوزة ولا ترى صحة ان يتدخلوا في المناصب السياسية والادارية" وفق الرابط التالي:

https://www.youtube.com/watch?v=5TvODJP0tIY

إن الفجوة الدستورية تمددت لتتسع بتشريعها شراكة الاحزاب الدينية بتداول السلطة من الباب الاول للدستور، الذي يعطي بصراحته ضوءاً أخضر لمشاركة مؤسسات الدين "شيعية وسنية" في إعداد شكل الدولة العراقية بعد إزالة نظام صدام المستبد، مما تجلى عنه عقد فاشل بعشرة اعوام لم يُعِد التوازن لبلاد كُرست لمؤسسة دينية دعمت حكم مزاج المذهب، من دون ان تضيع فرصة تمثيلها بحكومة، حين غابت عنها طوال مراحل تأسيس الدولة العراقية.

فعُقدة الشيعة كمذهب ينتج اغلبية تتمكن من الحكم، ستقترن بانهيار قيم الدولة وهويتها الرئيسة امام الفرعية منها، ما دامت تلك الاغلبية تحكم بشهوة معارضة وليست إدارة، وحتى أن السيستاني شخَّص في الوقت المتأخر تلك المرارة، وأغلق أبوابه بوجه السياسيين "الفاشلين" بإعادة الحياة للعراقيين، وهو موقف برز متمرداً على حكومة تكرِّس هويتها المذهبية من دون حماية المذهب ورعاية أبنائه، وهذا ما قد يطوّر الحال بشيعة العراق في انتخاب برلمان مشروط بالمنجز من القوانين مع حكومة تقضي وظيفتها بالفصل بين الطائفة ومهامها الاساسية بالبناء.

فما ينبغي ان تصرح فيه المؤسسة الدينية الشيعية هو الاعتراف بان الوطن ليس حكراً على ممثلي ولايتها حين ينالون من الشعب بمحاصصة لامتياز يجنب المواطن الأمن ويقربه من الموت، الشجاعة التي تلغي صورتنا كـ "شيعة محبطين"، تقترن بمبادرة من مؤسسة الحوزة تلغي التلميح وتصرح بشجاعة لثورة دستورية جديدة ضد دستور مكـَّن قوى انتحلت صبغة المذهب لبلوغ حكم لا يلبي حاجة الرعية.