الصين والخيال العلمي.. وأين العرب؟

الى متى سيظل الخيال العلمي مهمشاً ونادراً في عالمنا العربي، بينما دول العالم المتقدمة يزداد إهتمامها به يوماً بعد يوم؟ هل الأمر يتطلب إستحداث هيئة أو مؤسسة حكومية عربية للخيال العلمي، حتى يجد الإهتمام اللائق به كعلم من علوم الحاضر والمستقبل التي لا تقل أهمية عن علوم مثل الروبوتات والذكاء الإصطناعي أو النانوتكنولوجي، والتي كانت في الأصل خيالاً علمياً؟

لقد أدركت الدول المتقدمة أهمية الخيال العلمي في اعداد وتنشئة جيل من العلماء والمبدعين، فقامت بادراجه في مناهج التعليم المختلفة، وافتتاح أقسام دراسية بالجامعات في تخصص أدب الخيال العلمي، وأكدت على أن دراسة الخيال العلمي جزء لا يتجزأ من استراتيجيات المستقبل. وقد أشار الى ذلك كاتب المستقبليات الأميركي ألفين توفلر في كتابه "صدمة المستقبل" بقوله "قراءة الخيال العلمي أمر لازم للمستقبل"، كما أشار لذلك أيضاً كاتب الخيال العلمي البريطاني الشهير آرثر سي كلارك في كتابه "لقطات من المستقبل" بقوله: "القراءة النقدية لأدب الخيال العلمي هي بمثابة تدريب أساسي لمن يتطلع الى الأمام أكثر من عشر سنوات".

كما أن عالم الفضاء والجيولوجيا العربي الدكتور فاروق الباز، قال في تقديمه لكتابي (بالاشتراك) بعنوان "الخيال العلمي وتنمية الإبداع" الصادر عن "ندوة الثقافة والعلوم بدبي" إن الخيال العلمي يمثل إحدى المبادرات الأدبية الفريدة، وإنه من صفات الإنسان المفكر الذي لا يكبح جماح عقله أي حدود.

وقال بأن الخيال العلمي يضيف الكثير إلى حب التمعن والتساؤل الذي يشجع الطفل على البحث عن مزيد من المعرفة، وضرب لأهمية وقيمة الخيال العلمي بمثال أثناء عمله في برنامج "أبولو" لاستكشاف القمر بين عامي 1967 و1972، حيث أكد على الدور المهم الذي لعبه الخيال العلمي في إلهام رواد برنامج أبولو في تصميم مركبات أبولو والهبوط على سطح القمر، فقال بأنه، أثناء عمله في برنامج أبولو، اطلع زميل على نسخة من رواية "من الأرض إلى القمر" لرائد الخيال العلمي المبدع الفرنسي جول فيرن، التي كتبها عام 1865، وكانت هذه النسخة من أوائل الطبعات وشملت رسومات طلبها وحققها فيرن بنفسه، واتضح بدراستها أنها تقارب بشكل كبير الحقائق الواقعة في الستينيات بشأن تصميم مركبات أبوللو والهبوط على سطح القمر، ووقتها أصدرت مجلة "لايف" الأميركية ألبوما للرسومات القديمة والحديثة معا.

وقال الدكتور الباز في تقديمه للكتاب بأنه بمناقشة ذلك مع مدير مشروع أبولو، قال إنهم كانوا في الصغر يحرصون على قراءة أعمال الكاتب جول فيرن، ولهذا انطبعت رسومات وأشكال رواية فيرن "من الأرض إلى القمر" في ذاكرتهم، ولما حان الوقت لإعداد مركبات أبولو انبثق كل ذلك وأثر بشكل كبير على تصميماتها.

ولو نظرنا لبعض مظاهر إهتمام الدول المتقدمة بالخيال العلمي، وأخذنا الصين، نجد أنه على سبيل المثال، دعا نائب الرئيس الصينى خلال حضوره مراسم افتتاح اجتماع لكتاب الخيال العلمي، تم بإستضافة رابطة العلوم والتكنولوجيا الصينية، دعا كتاب قصص الخيال العلمي الى نشر المعرفة العلمية والمساهمة في حملة الدولة لأن تصبح قوة تكنولوجية عالمية، وقال أنه يتعين على كتاب الخيال العلمي ان يتصدروا الحملة ويرسمون عوالم مستقبلية بتفكير غير عادي ومدهش.

وقد نال الخيال العلمي الصيني، اهتماماً متزايداً من المجتمع الدولي. فمثلاً رواية الخيال العلمي "معضلة الأجسام الثلاثة" والمكونة من ثلاثة أجزاء، للكاتب الصيني ليو تسي شين، اكتسبت شعبية كبيرة، فقد فازت في عام 2015 بجائزة "هوجو" عن أفضل رواية، والتي تعد أرفع جائزة لأعمال الخيال العلمي وقد أنشأتها جمعية الخيال العلمي العالمية لإحياء ذكرى كاتب الخيال العلمي الأميركي الشهير عالمياً هوجو جرنسباك، كما تمت ترجمتها الى أكثر من 10 لغات، وباعت أكثر من 7 ملايين نسخة باللغة الصينية، وتم إصدار النسخة الانجليزية في الولايات المتحدة في عام 2014، وبيع منها حوالي 700 ألف نسخة. أما مبيعات النسخ الفرنسية والاسبانية والألمانية، فقد تجاوزت 30 ألف نسخة لكل منها، كما أن مجلة الخيال العلمي الصينية توزع شهريا 400 الف نسخة.

ورغم الأهمية المتزايدة التي توليها الدول المتقدمة لأدب الخيال العلمي، فإن عالمنا العربي لم يشهد اهتماما مماثلا أو حتى متناسبا مع تلك الأهمية، فواقع أدب الخيال العلمي الجاد في عالمنا العربي يشير إلى أنه مهمش ونادر وما زال متواضعاً من حيث الإنتاج وقلة الكتاب المتخصصين، ولا يحظى كتابه بالإهتمام والتقدير، كما أن أغلب دور النشر تعزف عن نشر الخيال العلمي بحجّة أنه لا يباع.

لقد حولت الإمارات الكثير من أعمال الخيال العلمي الى حقائق واقعة، حيث أطلقت العديد من المشروعات الرائدة والمتميزة مثل مشروع مسبار الأمل لاستكشاف المريخ، واستراتيجية التنقل الذكي ذاتي القيادة، والشرطي الروبوت، وكذلك مشروع قطار هايبرلوب فائق السرعة الذي تكاد سرعته تفوق سرعة الصوت، وغيرها من مشروعات علمية وتكنولوجية متميزة.

فهل نأمل أن تقوم دولة الإمارات، التي تتطلع دائما للريادة والتميز، وكما هي سباقة دائماً، في إستحداث هيئة أو مركز للخيال العلمي، ليكون بداية حقيقة للإهتمام الجاد بالخيال العلمي في العالم العربي، الذي لا يزال البعض ينظر اليه نظرة دونية، ويعتقد الكثيرون خطأ بأنه وسيلة ترفيه وتسليه؟

إن أفكارا وتصورات وتخيلات كبيرة قد تكون عظيمة في صناعة المستقبل، تموت في مجتمعات تحجم ملكات التخيل والابتكار لدى أبنائها، وتقلل من قيمتها، مما يدفع أصحاب هذه التخيلات والأفكار للهجرة لمجتمعات أخرى تتبنى أفكارهم وتخيلاتهم، وتتيح لهم الفرص والظروف لتطبيقها وتحويلها لواقع يعمل على تقدم مجتمعاتهم.

لقد أصبح الاهتمام بأدب الخيال العلمي في عالمنا العربي ضرورة عاجلة لتأهيل الجيل الصاعد للإبداع، واللحاق بركب التقدم العلمي والتكنولوجي العالمي، حتى ترتفع راية العرب مرة أخرى في مكان يليق بحضارتنا بين الأمم.