الضفة تدفع الثمن الخفي
المعاناة التي تمر بها الضفة الغربية، على مدار سنوات، خاصة عقب عملية "طوفان الأقصى"، يُغفلها العالم الذي تركزت أنظاره حول الكارثة الإنسانية التي شهدها قطاع غزة، خلال العامين الماضيين، دون النظر إلى الجرائم التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي، بحق المواطنين وممتلكاتهم في مدن وقرى الضفة.
الحرب التي اجتاحت غزة، لم تترك الضفة بمَعزل عن آثارها، بل كشفت معاناة على كافة المستويات، وأعادت إلى الواجهة واقعًا مأساويًا يتجاوز حدود الدمار المادي، إلى عمق المعاناة الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية. تبدو الضفة الغربية اليوم، وكأنها تدفع ثمن حرب لم تكن طرفًا مباشرًا فيها. آلاف اللاجئين الذين فروا من المخيمات أو فقدوا مصادر رزقهم يعيشون ظروفًا قاسية، في ظل تراجع الدعم الإنساني، وتضييق الخناق الاقتصادي، الذي طال حتى أبسط مقومات الحياة اليومية.
المدن التي كانت تنتعش بالحياة، تحولت إلى مناطق متوترة، تتنازعها البطالة المرتفعة وغلاء المعيشة، فيما يزداد إحباط الشباب الذين يرون المستقبل يتبدد أمام أعينهم، انعكاسًا لآثار العدوان الإسرائيلي الغاشم، الذي لا يهدف فقط إلى الاستيلاء على الأرض، بل تغيير الهوية والطبيعة الجغرافية، لتنفيذ مخطط التهويد، وبث حالة من الإحباط واليأس في نفوس الفلسطينيين.
المشهد في الضفة، ليس مجرد انعكاس جانبي لحرب غزة، بل هو تجسيد لحالة من الإهمال المُزمن والتهميش السياسي والاقتصادي. فبينما تتصدر غزة العناوين بوصفها ساحة المواجهة المباشرة، تُترَك الضفة لتتآكل ببطء تحت وطأة الاحتلال وتراجع التنمية، وكأنها منطقة مُؤجَّلة في الحسابات الوطنية والإقليمية.
البنية التحتية في مدن مثل "جنين ونابلس والخليل"، تشهد تدهورًا متسارعًا، فيما تتراجع فرص العمل والاستثمار، ويزداد اعتماد السكان على المساعدات المحدودة التي بالكاد تسد جوعهم. لكن المعاناة في الضفة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل هناك أزمة اجتماعية تتفاقم بصمت، تتمثل في تشتت الأسر، وارتفاع معدلات الفقر، وتزايد الإحساس بالعزلة والخذلان.
خسر كثير من الفلسطينيين ثقتهم في وعود الإعمار والانتعاش، وهم يشاهدون الجولات السياسية تتكرر بلا نتائج ملموسة، بسبب عجز المجتمع الدولي عن ردع ممارسات الاحتلال. باتت الحياة اليومية في الضفة محكومة بالخوف والانتظار، انتظار الفرج أو ربما انفجار جديد يُعيد كل شيء إلى نقطة الصفر.
معاناة الضفة الغربية لا تُختزَل فقط في أرقام أو تقارير إنسانية، بل تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية التي باتت شديدة القسوة. فالأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن العاطلين عن العمل، والطلاب الذين انقطعت بهم سبل التعليم بسبب الظروف الاقتصادية، والتجار الذين أغلقوا محالهم بعد سنوات من الكفاح، كلهم يمثلون وجهًا آخر لأزمة مُركَّبة تتغلغل في كل بيت وشارع ومخيم.
لقد أدى التدهور الاقتصادي إلى تفكك مجتمعي واضح، حيث تراجعت قدرة العائلات على التماسك في ظل الضغوط المعيشية، وارتفعت معدلات الهجرة الداخلية والخارجية، بحثًا عن أي فرصة للنجاة. حتى المؤسسات المدنية التي كانت تشكل صمام أمان اجتماعي، باتت عاجزة عن أداء دورها بسبب نقص التمويل وضعف الدعم الدولي، ما جعل النسيج الاجتماعي أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
إن الضفة الغربية اليوم تقف على مفترق طرق خطير، إما أن تكون هناك معالجة جذرية تُعيد بناء الإنسان، أو أن تستمر حالة التآكل التي تُهدد بتحويلها إلى منطقة منسية في خريطة المعاناة العربية. لذلك، المطلوب ليس فقط ترميم ما تَهدم، بل إعادة إحياء روح الأمل التي انطفأت في عيون الفلسطينيين، لأن استعادة الحياة في الضفة ليست مهمة إنسانية فحسب، بل مسؤولية سياسية وأخلاقية تجاه شعب ما زال يصمد رغم كل محاولات التهميش والنسيان.
ومن زاوية أخرى، يأتي السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم، يتعلق بالثمن الباهظ الذي دفعه الفلسطينيون في كلتا المنطقتين: هل كانت عملية "طوفان الأقصى" بداية لتحول استراتيجي، أم أنها فتحت فصلًا جديدًا من الدمار والمعاناة؟ مهما اختلفت الإجابات، تبقى الحقيقة أن الشعب الفلسطيني يعيش تبعات حرب لم تنتهِ فعليًا، بل غيَّرت ملامح الحياة.
إن الضفة الغربية بحاجة إلى ما هو أكثر من مساعدات عاجلة أو وعود سياسية، بل إلى رؤية متكاملة تُعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني، وتمنحه فرصة للنهوض من تحت الركام الاقتصادي والاجتماعي. ولا يمكن فصل الإعمار عن العدالة، ولا يمكن بناء مستقبل مستقر في ظل استمرار القمع والانقسام وانعدام الأفق السياسي.
في النهاية، تبرز الحاجة الماسة إلى رؤية اقتصادية شاملة، تُعيد الحياة إلى الضفة الغربية، وتُحوِّل مسار المعاناة إلى فرص للنهوض. فالاقتصاد الفلسطيني، الذي يعيش منذ عقود تحت وطأة الاحتلال والانقسام والبطالة، يحتاج إلى تحركات ملموسة تتجاوز الإغاثة الإنسانية المؤقتة إلى استراتيجية تنموية مستدامة. يمكن لهذه الرؤية أن تبدأ بإعادة تأهيل البنية التحتية المُدمَّرة، وتشجيع الاستثمار المحلي والعربي، وتفعيل المناطق الصناعية المشتركة، إلى جانب دعم الزراعة والصناعات الصغيرة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي.
أيضًا، لابد من تخفيف القيود الإسرائيلية على الحركة والتجارة، وفتح المعابر بانتظام، فهي خطوات أساسية لاستعادة النشاط الاقتصادي وتحسين مستوى المعيشة. لذلك، الاستقرار الأمني ليس مجرد مطلب سياسي، بل شرط أساسي لأي ازدهار اقتصادي حقيقي. وحين يشعر الفلسطيني بالأمان، يجرؤ المستثمر على المغامرة، ويعود رأس المال إلى الداخل بدلًا من الهجرة إلى الخارج. كذلك، فرض الأمن يَعني استقرار الأسواق، وتحفيز السياحة الدينية، وتنشيط التجارة.