المغرب واستراتيجية الموانئ: الدار البيضاء كجسر نحو القوة البحرية الإفريقية
ما حدث في الدار البيضاء لم يكن مجرد تدشين تقني لمشاريع مينائية جديدة، بل كان إعلانًا سياسيًا صريحًا: المغرب يدخل مرحلة متقدمة من استراتيجيته البحرية والاقتصادية، بقيادة الملك محمد السادس. فحين تستثمر دولة ما خمس مليارات درهم في إعادة هيكلة ميناء واحد، فإنها لا تراهن فقط على مدينة أو قطاع محدد، بل على إعادة رسم موقعها في الاقتصاد العالمي.
لقد أدركت الرباط منذ سنوات أن الموانئ هي العصب الحيوي للقوة في القرن الحادي والعشرين. فالدول التي تتحكم في سلاسل التوريد البحرية تتحكم في التجارة، ومن ثم في النفوذ السياسي. بهذا المعنى، يندرج مشروع ميناء الدار البيضاء في السياق نفسه الذي جعل من طنجة المتوسط منصة لوجستية عالمية، ويضع الأساس لشبكة مينائية وطنية متكاملة تضم الناظور غرب المتوسط والداخلة على الأطلسي.
قوة ناعمة وصلبة في آن واحد
المغرب، عبر هذه المشاريع، يجمع بين بعدين متكاملين: القوة الناعمة التي تمنحها السياحة البحرية والانفتاح على العالم، مع محطة رحلات بحرية حديثة قادرة على استقبال نصف مليون مسافر سنويًا.
القوة الصلبة التي تجسدها صناعة إصلاح السفن وبنية تحتية قادرة على استقطاب استثمارات دولية في قطاع استراتيجي، مع ورش ضخم قادر على منافسة المراكز المتوسطية والأطلسية.
إنها صيغة مغربية خاصة تقوم على موازنة الاقتصاد بالسياسة، والبعد الاجتماعي بالبعد الجيوسياسي. فميناء الصيد الجديد، بما يوفره من شروط عيش أفضل للصيادين التقليديين، يعكس أن المغرب لا يبني قوته على حساب الفئات الهشة، بل يجعل من التنمية الاجتماعية رافعة موازية لتحديث البنى التحتية.
في عالم يتغير بسرعة، حيث الممرات البحرية من مضيق جبل طارق إلى قناة السويس باتت ساحات تنافس جيوسياسي محتدم، يرسخ المغرب موقعه كفاعل لا يمكن تجاوزه. فالدار البيضاء، إلى جانب طنجة المتوسط، تمنح المملكة ثنائية بحرية: الأولى واجهة للأطلسي، والثانية بوابة المتوسط، في تكامل يفتح أمام إفريقيا منفذًا استراتيجيًا إلى أوروبا وأمريكا.
هذه المشاريع ليست معزولة، بل تأتي في لحظة دقيقة: صعود الصين كقوة بحرية، إعادة تشكيل تحالفات الطاقة واللوجستيك، وتزايد الحاجة الأوروبية إلى شريك جنوبي مستقر وموثوق. والمغرب يقدم نفسه كحل استراتيجي لهذه المعادلة، بما يجمعه من استقرار سياسي ورؤية اقتصادية متبصرة.
ما وراء الاقتصاد
حين يضع الملك محمد السادس قضية الموانئ في صلب استراتيجيته التنموية، فإن الرسالة تتجاوز الاقتصاد: إنها تتعلق بالسيادة. السيادة على البحر، على طرق التجارة، وعلى مستقبل موقع المغرب كقوة إفريقية صاعدة. وهذا ما يفسر أن هذه المشاريع ليست مجرد منشآت، بل اختيارات سيادية تحدد مكانة المغرب لعقود مقبلة.
ميناء الدار البيضاء الجديد ليس فقط ورشًا للبناء، بل ورشة لإعادة صياغة الجغرافيا الاقتصادية للمغرب. فالمملكة تراهن على البحر كفضاء للنفوذ، وعلى الموانئ كأدوات للهيمنة الاقتصادية، وعلى الرؤية الملكية كضمانة لاستمرار هذا المسار. إنها لحظة مفصلية تؤكد أن المغرب لا يواكب العولمة فحسب، بل يساهم في إعادة تشكيلها انطلاقًا من ضفاف الأطلسي والمتوسط.