العبادي لن يتفاوض مع كردستان وعلينا الذهاب الى البديل

رغم الجهود التي تبذلها حكومة كردستان لترطيب الاجواء مع بغداد والدخول في مفاوضات معها لحل المشاكل العالقة، الا ان بغداد مستمرة في موقفها المتعسف الرافض لاي مبادرة يقدمها الاقليم او اي جهة دولية اخرى. ومن اجل نسف اية محاولة تفاوض تلجا بغداد الى تبني نقطتين في سبيل التسويف والمماطلة وهما:

الاولى.. الغاء استفتاء الاستقلال الذي اجراها الكردستانيون في سبتمبر الماضي؛

الثانية.. وضع المنافذ الحدودية والمطارات تحت سيطرة السلطة الاتحادية في بغداد.

مع ان بغداد تدرك جيدا عبثية مطلبها الاول، وان مطلبها الثاني يمكن التباحث حوله من خلال المفاوضات التي ينادي بها الاقليم وليس قبلها (ابدى الاقليم مرونة حول هذه النقطة بحلول توافقية)، الا انها عمدت الى استخدام ملف الموازنة المالية لهذه السنة كاداة ضغط اخر على كردستان وذلك بتقليص نسبة الاقليم منه وربط تنفيذه بادارتها لملف النفط في كردستان.

ان موافقة حكومة كردستان على "كل" هذه المطالب تعني تخلي الاقليم عن كل مكتسباته التي حصل عليها منذ عام 1991، وهو امر يستحيل الموافقة عليه. اما المطالب التي يمكن تطبيقها فتحتاج الى مباحثات لايجاد تفاهمات مشتركة تجعلها ممكنة التنفيذ. ولكن السؤال هو: هل ان العبادي مستعد للدخول في مفاوضات تفضي الى حل المشاكل العالقة بين الجانبين؟

من خلال نوعية المطالبات والطريقة التي تطرح بها ندرك ان اخر ما يفكر به المعنيون في بغداد هو فتح حوار جاد مع كردستان، ليس هذا فحسب بل ان العبادي ومن خلال قرائتنا للمشهد العراقي سيلجا في الفترة القادمة الى التصعيد مع كردستان لا التهدئة، ليس على الصعيد السياسي فقط بل وحتى الصعيد العسكري لاسباب تتعلق بالانتخابات المقبلة في العراق.

- فالعبادي يسوق نفسه حاليا للشارع العراقي كونه السياسي الذي حقق الانتصار على داعش، ونجح في اخضاع كركوك لسيطرة حكومة بغداد، ونجح في اضعاف كردستان سياسيا (كما يتصور) من خلال الضغوطات التي فرضها عليها بالتنسيق مع ايران وتركيا. لذلك فهو غير مستعد للتخلي عن "نجاحاته" تلك والدخول في مفاوضات مباشرة مع كردستان قد يستغلها منافسوه بانه تنازل من قبله لكردستان، مما يؤثر على شعبيته في الانتخابات ويقلل من حظوظه في الفوز.

- وحتى لو اجبر لفتح باب الحوار مع كردستان نتيجة الضغوطات الدولية فسيعمل على عدم التوصل الى اية نتائج ملموسة فيها للسبب الوارد انفا.

- ان دخول قيادات الحشد الى الانتخابات القادمة يمثل تهديدا حقيقيا للعبادي، فهم يتقاسمون معه منجز الانتصار على داعش واحتلال كركوك، وتحالفهم المحتمل مع قائمة المالكي سوف ينهي اي حظوظ للعبادي بالفوز فيها. لذلك فهو يبحث الان عن فرصة تمكنه من تأجيل الانتخابات دون اعتراض من بقية الاطراف السياسية او اعلان حالة الطوارئ، ولن يجد امامه ورقة افضل من التصعيد السياسي وحتى العسكري مع كردستان ودفعهم لمقاطعة الانتخابات التي لن تبقي مسوغات بعد ذلك لاجرائها خاصة وان هناك اطرافا سنية عديدة وشيعية تؤيد هذا التأجيل، وحتى لو لم يقاطع الكرد الانتخابات فان بمقدوره بعد التصعيد العسكري مع الكرد ان يعلن حالة الطوارئ التي ستمكنه من تمديد ولايته لاجل غير مسمى.

لذلك اقول مخطئ من يتصور ان في نية العبادي حل المشاكل بينه وبين الاقليم والدخول معه في مفاوضات، لا بل ان احتمالات افتعاله لصدام عسكري مع اربيل واردة جدا في الاشهر القادمة التي تفصلنا عن الانتخابات، ولا اتوقع اننا سنشهد اعتراضا اميركيا على هكذا صدام طالما انه سيضمن بقاء حليفها العبادي على السلطة لسنوات قادمة دون انتخابات.

يبقى السؤال هنا: هل من مصلحة كردستان بقاءها في النقطة التي حاصرت نفسها فيها بعد الاستفتاء؟ فلا هي اكملت الطريق نحو الاستقلال، ولا هي تستطيع البقاء ضمن العراق بقوتها السياسية السابقة. وهل يعقل ان تنتظر متى تفتح بغداد باب الحوار معها؟ كردستان اليوم اشبه بالملاكم الذي يقف وسط الحلبة ينتظر اللكمات من الخصم دون حراك منه. غالبا ما يكون السقوط بالضربة القاضية هي النهاية الحتمية لهكذا مشهد.

طالما اننا ندفع الان ضريبة استقلال لم نذهب اليه، فلماذا لا نجعل الضريبة هذه بثمن، ولماذا لا يكون ثمنها الاستعداد للاستقلال وتهيئة الظروف لتحقيقه؟