العبادي.. ودموع التماسيح على شعب كردستان

في مشهد يجمع بين الدراما والكوميديا ظهر العبادي في مؤتمر صحفي وهو يعلن حرصه على سلامة المدنيين في كردستان، ويقول بان بغداد لن تقف مكتوفة الايدي ازاء اي اعتداء على المواطنين الكرد في كردستان، في اشارة الى المتظاهرين الذين خرجوا في بعض مناطق كردستان احتجاجا على تأخير صرف رواتبهم. ومع اننا نشكر العبادي (على مضض) لهذه المشاعر الجياشة التي امطرنا بها والرومانسية المفاجئة تجاه مواطنينا، الا ان المواطن الكردي عندما يسمع مثل هذا التصريح المفعم بالود يتبادر الى ذهنه السؤال التالي: كيف يمكن ان يكون الانسان شيطانا وملائكة في نفس الوقت؟

فيبدو ان العبادي قد تغافل عن الاسباب الحقيقية لهذه التظاهرات وعن المتهم الحقيقي للوضع المالي للمواطن الكردي. وتناسى ان الحصار الذي تمارسه حكومته على هذا الشعب في قطع رواتبهم وحرمانهم من حقهم الطبيعي في حصتهم من الموازنة الاتحادية والحصار الذي تفرضه بالتنسيق مع دول اقليمية على هذا الشعب المكافح بسد منافذه البرية والجوية هو ما ادى بالشارع الكردي الى ان يخرج في هذه المظاهرات.

يظهر ان مفهوم العبادي للمودة والحرص ينطلق من مبدأ "ومن الحب ما قتل". فهو يفرض حصارا اقتصاديا على الشعب الكردستاني، ويعرقل محاولات حكومة كردستان في تطوير القطاع النفطي في كردستان انتاجا وتصديرا، وتطوير القطاع الزراعي او السياحي او الصناعي في الاقليم، ويمنع الشركات العالمية من الاستثمار في كردستان لانعاش اقتصادها، او حتى الاستفادة من القروض الدولية والمنح التي تعطى للعراق من الدول المانحة والبنوك الدولية، ثم يأتي ويبدي حرصه على سلامة مواطني كردستان.

ان حقيقة نوايا العبادي وحكومته تجاه الشعب الكردي تبدو جلية في المناطق الكردستانية المحتلة سواء في كركوك او خانقين او طوزخورماتو. فمعروفة هي الممارسات القمعية التي يمارسها عناصر جيشه ومليشياته الوقحة ضد المواطن الكردي في تلك المناطق من قتل واختطاف واعتقال، ومن لا يقتل او يعتقل يصار الى تهجيره ونهب امواله ضمن عملية تغيير ديموغرافي واضحة تدل على كم هائل وعدائية مفرطة يحملها هذا النظام تجاه كل شيء كردي.

هذا الحب الالهي من العبادي للكرد شاطرهم فيه العرب السنة ايضا الذين يشتركون معه في القومية. فعمليات القتل والاعتقال والتهجير والتغيير الديموغرافي بحق المكون السني العربي شاهدة للعيان ولا تحتاج الى تأكيد. ومنع النازحين من العرب السنة من الدخول الى المناطق الشيعية اثناء احتلال داعش لمناطقهم ايضا ماثل للعيان. فاذا كانت هذه هي مشاعرهم تجاه ابناء جلدتهم من العرب، فماذا نتوقع منهم تجاه الكرد الذين يختلفون معهم في القومية والمذهب؟

ان العبادي يمارس خطة اقليمية مدروسة للضغط على كردستان واضعافه وبطرق كثيرة، فمن جهة يعرقل التوصل الى حلول للمشاكل العالقة مع حكومة كردستان وذلك بفرض شروط عبثية تمنع البدء بحوار بين الطرفين، وفي نفس الوقت ينسق مع اطراف اقليمية للضغط الاقتصادي والسياسي على الكرد، ومن جهة اخرى يدفع بعض الجهات الكردية الداخلية المنبطحة لتنفيذ مخططات تؤدي الى اثارة البيت الداخلي الكردستاني وضرب الاستقرار فيه، وبدا هذا واضحا في دس عناصر مخربة داخل التظاهرات السلمية للعبث بالممتلكات الرسمية الحكومية والحزبية وحرقها. ودموع التماسيح التي يذرفها على الكرد هي مؤشر لنية مبيتة تهدف الى استغلال الوضع الداخلي الكردستاني واتخاذه مبررا للتدخل عسكريا في تلك المناطق واحتلالها اذا توفرت الظروف لذلك.

ان البنية الفكرية العقائدية التي يتبناها العبادي ويطبقها من خلال طرحه السياسي لا يمكن ان تكون بيئة مناسبة للحرص على اي مكون، فهي تعتمد في اساسها على عقد تاريخية ترسخ الكراهية والحقد وتهدف للانتقام من اي طرف لا يتبنى تلك المعتقدات، وما تعانيه كردستان والمناطق السنية العربية في العراق جراء هذه الثقافة خير دليل على ما نقول.

ان حرص العبادي (المزعوم) على مواطني كردستان يذكرني بأبيات قصيدة لأمير الشعراء احمد شوقي يتحدث فيها عن ثعلب جائع يبحث عن ديك ليسد به جوعه، فيخرج على الناس ويعلن توبته، ويبعث برسول الى الديك يطلب منه الحضور ليؤذن فيهم ويؤمهم لصلاة الفجر، فما كان من الديك الا انه رد على رسوله قائلا:

فأجاب الديك: عذراً يا أضلّ المهتدينا

بلّغ الثعلب عني عن جدودي الصالحينا

عن ذوي التيجان ممن دخل البطن اللعينا

أنهم قالوا وخير القول قول العارفينا

مخطئٌ من ظنّ يوماً أنّ للثعلب دينا