العدمية كوسيلة للبقاء في حياة وفكر سيوران

الفيلسوف الروماني الفرنسي يشكل مثالا فريدا على التعايش مع الحزن العميق، حيث وجد في الكتابة مهربا وجوديا أنقذه من الانتحار، وخلّد اسمه كمفكر عدمي جعل من المعاناة فلسفة تُلهم البشرية.

أوضحت أحدث تقارير منظمة الصحة العالمية أن مرض الإكتئاب المسبب لحالات من الحزن العارم هو ضربًا من ضروب الخلل النفسي الشائع الذي قد ينجم من أسباب عديدة وأهمها فقد الأشياء التي كانت تسبب للإنسان الشعور بالسعادة والرضا، وتمنع عنه الشعور المقيت بالخواء النفسي. وتتعدد أشكال الفقد هذا ما بين فقدان شخص عزيز أو وظيفة أو آمال أو ضيق الموارد المادِّية أو غياب الشعور بالأمان، وغيرها من الأسباب التي تسبب الإحباط النفسي. ومن مظاهر الإكتئاب الشعور بالحزن، والتوتُّر، وفقدان الرغبة في الاضلاع بأي نشاطٍ كان، والتقوقع على الذات، وفقد التركيز والرَّغبة في النوم. وأمَّا أسوأ أعراض الإكتئاب الرغبة المُلحَّة في الإنتحار لترك هذا العالم الذي لا يجلب للإنسان سوى التعاسة.

ومن الجدير بالذكر، البشر عادة ما يصابون بالإكتئاب والحزن، لكن الاستمرار في هذا الشعور له عواقب نفسية وجسدية وخيمة؛ فلو كان الميل للانتحار ينجم عن نوبات الحزن والإكتئاب الشديد، فإن خوض تلك التجربة مع كبت ذلك الشعور غلبًا ما يفضي إلى الإصابة بأمراض عضوية عضال مثل الخلل في القلب أو السرطان، وجميعها أمراض تفضي إلى الموت المبكِّر المحتوم. ولتلافي الشعور بالإكتئاب، الذي هو في الأساس الشعور بحزن عارم، هناك اهتمام عالمي لعلاج ذاك الإحساس المقيت ولو حتى بطرق غير مباشرة؛ والسبب أن ليس الجميع باستطاعته تحمُّل تكاليف العلاج لدى طبيب نفسي متخصص. ومن ثمَّ، تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو وعبارات تؤهِّل كل من يستمع لها أو يقرأها أن يجتاز مراحل الحزن.

وبالرغم من أن وسائل التدريب النفسي الغير مباشرة لتخطي الإكتئاب تعتبر حديثة نوعًا ما، وأنها قد انتشرت كالنار في الهشيم منذ العقد الأول من الألفية الثالثة، استطاع الفيلسوف الروماني الفرنسي إيميل سيوران Emil Cioran (1911-1995) منذ ما يقرب من المائة عام، ابتكار وسيلة للشفاء منه، وكانت طريقة علاجه الناجعة هي الدليل لكل مكلوم في عالم قاسي. ولا عجب في ذلك، فمن يتحدَّث عن الحزن وحوَّله إلى شلال يحض على وجوب مواصلة الحياة كان يعاني من أقسى درجات الحزن.

وأولى أحزان إميل سيوران التي لا يعلمها هي نطق اسمه الذي تم تحريفه عند الترجمة إلى اللغة العربية، وكذلك قد ينطقه البعض من غير المتخصصين، إلى إيميل سيوران، كما قد ينطق باللغة الفرنسية متجاهلين تمامًا اختلاف النطق لكونه من رومانيا، تلك الدولة التي كان يشعر سيوران بالضيق في كنفها ولطالما عبَّر عن رغبته في تركها. ولهذا السبب، كان يحاول أن ينتهز الفرص كي يهرب من تواجده هناك، لشعوره بالضيق من الأجواء. وعندما تم تعيينه مدرس فلسفة في إحدى المدارس، سرعان ما أخفق في مهمته، وتم فصله للإجماع أن ما يتفوَّه به من شرح غير مفهوم.

 وسنحت له أعظم فرصة عندما سجَّل نفسه طالب دراسات عليا في فرنسا، وهناك عاش في مساكن الطلَّاب وتمتَّع بالوجبات المجانية والمخفَّضة – التي كان يسعى إليها بالأساس عتدما سجَّل نفسه كطالب دكتوراه، بالرغم من أنه لم يكن يعتزم أبدًا أن يحصل على تلك الدرجة. واستمر الوضع على ذاك الحال إلى أن تم إلغاء تلك الميزة من الطلاب الذين تجاوزوا متوسِّط السن القانوني. وكان رجوعه إلى رومانيا مرَّة أخرى بمثابة سقطة أخرى في مسيرته النفسية. ولهذا، سرعان ما عاد مرَّة أخرى إلى فرنسا وأجَّر شقة بالحي اللاتيني، وهو أحد الأحياء الفقيرة شديدة الازدحام التي تعج بالأجانب ومختلف العرقيات، وتتميَّز مساكنها بضيق المساحة ورخص الثمن نسبيًا عن الأحياء المجاورة. وفي ذلك المسكن عاش حتى آخر يوم في عمره، إلى أن أصابه مرض الزهايمر وتوفي على إثره.

وحاول الكثير من النقَّاد معرفة سبب شعوره بحزن دائم ورغبته العارمة في الانتحار. وبالتنقيب عن سبب ذاك الحزن في حياته، وجدوا أنه نشأ في عائلة شديدة التديُّن، فلقد كان والده قسَّا في الكنيسة الأرثوذكسية في رومانيا. وأمَّا والدته، فكانت رئيسة "رابطة المرأة المسيحية" في رومانيا. وبالرغم من ذلك، لم يشعر إميل سيوران أبدًا بالانتماء للمؤسسة الدينية، لدرجة أنه أصبح ملحدًا لا يؤمن بالأديان، بل وكان يساوي بين تعاليم الأديان السماوية والأرضية. ولم يكن يبالي بكلمات أمُّه التي تؤكِّد أن وجوده في الحياة كان بمحض الصدفة، وأنها لم ترغب في الاحتفاظ به. ولهذا، ظن البعض أن تصريح أمُّه هو السبب في شعوره بالحزن الدائم، لكنه أيضًا على النقيض أكَّد أن تصريح أمُّه لا يشكل أي فارق نفسي بالنسبة له، بل كان يردد دومًا مازحًا: "أنا الغلطة" أو "أنا الحادث العرضي".

كانت حياة سيوران سلسة من الاخفاقات والاختيارات الخاطئة والشعور بعدم الارتياح والرضا، بالرغم من أن كل ما كان يكتبه يلقى رواجًا كبيرًا وأكسبه الجوائز والتكريمات. وقد يظن البعض أن حزن سيوران الداخلي كان منعكسًا على تعامله مع الآخرين. فعلى النقيض، كان سيوران شديد المرح ومحبًّا للمرح والمزاح، لدرجة أنه في أحد المرَّات عند تكريمه في ألمانيا تم تقديمه بكلمات رائعة ورنانة وكذلك قارنوا إنجازه الفلسفي بكبار الفلاسفة مثل كييرك غارد Kierkegaard  وشوبنهاور Schopenhauer، لكنه قاطع تلك الافتتاحية الرائعة وجعل مترجمه ينقل عنه قول: "أنا مجرَّد مهرِّج". ولم يكن يعني بذلك التقليل من شأن نفسه، بل كان على سبيل المزاح وتقبُّل وضعه. لقد كان يردد سيوران أن الكتابة كانت سبيله الوحيد للنجاة من الإغراق في أفكار سوداوية، وأنقذته من الانتحار. لقد كان يعبِّر عن أدق ما يجيش في صدره في مؤلفاته، وتكمن عظمة ما يكتبه في قدرته على الغوص في أعماق أقسى ألوان الحالات النفسية السوداوية والتعبير عمَّا لا يستطيع إنسان أن يبوح به.

كان أسلوب سيوران مميّزًا في التعبير عن فلسفة التشاؤم من خلال الاهتمام بكتابة أقوال مأثورة، واحدة تلو الأخرى، مع ملاحظة أنها قد تناقض بعضها البعض أحيانًا. لكنه كان يصرِّح أن ذلك هو ما يحدث تمامًا بداخل النفس البشرية، وكان ذاك الأسلوب أيضًا يتماشى وتناوله لقضايا المعاناة والانحلال والعدمية.

لقد كان التفكير الدائم في الانتحار هو القوَّة الدافعة له للعيش في سلام نفسي وكذلك البعد عن إزهاق روحه، وكان يردد "قتل نفسك أمر لا يستحق عناء التفكير فيه، لأنه دومًا ما تقتل نفسك بعد فوات الأوان." وكذلك يؤكِّد أن المتفائلين فقط هم الذين يستطيعون الانتحار، وهم المتفائلون الذي لم يعودوا قادرين على أن يكونوا متفائلين. أمَّا الآخرون، فليس لديهم سبب للعيش وفي نفس الوقت ليس لديهم سبب ليموتوا. فكل ما يفعله المرء منذ طلوع النهار وحتى نهاية اليوم هو محاولة أن يحتمل نفسه. وأمَّا في كتابه "على مرتفعات اليأس" On the Heights of Despair عبَّر عن اليأس في أسوأ صوره عندما قال:

"لا أفهم لماذا يجب علينا القيام بفعل أي شيء في هذا العالم، ولماذا يجب أن يكون لدينا أصدقاء وتطلُّعات وآمال وأحلام؟ أليس من الأفضل أن ننزوي في ركن قصي في هذا العالم، حيثما لن يسمع أحد بعد الآن ضجيجه وتعقيداته؟ وحينها لسوف نستطيع التَّخلِّى عن الثقافة والطموحات؛ ولسوف نخسر كل شيء ونكسب لا شيئ؛ فما يمكننا أن نجنيه من وطن كهذا؟"

فلسفة سيوران العدمية النابعة الشكّ في كل شيء في الحياة كانت السبيل الذي صنع منه اسمًا خالدًا في عالم الأدب، ومثالًا يحتذى به لمواصلة العيش تحت ضغط عارم. ولقد أصبحت مؤلَّفاته أساسًا لتحليل النفس البشرية، ومقولاته نبراسًا يهتدي به القائمين على التنمية البشرية، وأقوالًا مأثورة لا يزال يتداولها البشر ويهتدي بها روَّاد مواقع التواصل الاجتماعي. والمفارقة الكبرى أن حزن سيوران الذي عبَّر عنه دون خجل هو ما أسعده.