العراقي إبراهيم النقاش.. رحلة عمر مع الخشب

ترك الفنان إرثا غنيا من المنحوتات التي جسدت الشناشيل والأزقة البغدادية بروح تجمع بين الأصالة والإبداع المعاصر.

بغداد ـ فقد العراق الفنان التشكيلي والنحات إبراهيم علي ميرزا، المعروف باسم 'إبراهيم النقاش'، بعد رحلة فنية طويلة كرّسها لفن الحفر على الخشب واستعادة ملامح الذاكرة البغدادية في أعماله، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء العراقية.  

ويُعد النقاش من الفنانين الذين نجحوا في بناء هوية فنية خاصة بهم، إذ ارتبط اسمه لعقود طويلة بمشاهد الشناشيل البغدادية والأزقة القديمة والأسواق الشعبية، إلى جانب توثيق ملامح الكاظمية التي بقيت حاضرة في معظم أعماله الفنية.

وقد عُرف بأسلوبه الدقيق في الحفر والنقش على الخشب، حتى أصبح واحدًا من أبرز الفنانين العراقيين في هذا المجال، جامعًا بين الحرفة التقليدية والرؤية الفنية المعاصرة.

وُلد الفنان الراحل في بغداد عام 1952، ونشأ في بيئة شعبية قريبة من تفاصيل المدينة القديمة، الأمر الذي انعكس لاحقًا على موضوعات أعماله. ومنذ سنوات طفولته الأولى، أبدى اهتماما بالرسم وصناعة المجسمات الصغيرة، قبل أن يتحول هذا الشغف إلى مشروع فني متكامل مع تقدمه في العمر.

والتحق بمعهد الفنون الجميلة، حيث صقل موهبته أكاديميا، كما انضم إلى نقابة الفنانين العراقيين وجمعية الفنانين التشكيليين ودار التراث الشعبي، ليصبح لاحقًا من الوجوه المعروفة في المشهد الثقافي العراقي.

وبدأ النقاش رحلته الفنية مطلع سبعينيات القرن الماضي، فيما شهدت فترة الثمانينيات انطلاقته الأوسع عبر المعارض والمشاركات المستمرة داخل العراق وخارجه.

وخلال هذه السنوات، استطاع أن يطوّر أسلوبا فنيا خاصا يعتمد على الخشب بوصفه مادة تحمل ذاكرة المكان والإنسان، إذ لم يكن يتعامل معه كمجرد خامة فنية، بل كوسيلة لاستحضار التاريخ والحنين والهوية العراقية.

وكانت بدايته مع النجارة نقطة التحول الأهم في حياته الفنية، حين تتلمذ على يد معلمه الأول محمود الفخري، ليتعلم أسرار الحرفة وتقنيات التعامل مع الخشب. ومن هناك، انتقل من الأعمال التقليدية كالأبواب والكراسي إلى تصميم لوحات ومنحوتات كاملة تستعيد تفاصيل البيوت البغدادية القديمة والنوافذ الخشبية المزخرفة 'الشناشيل' والأسواق الشعبية والأزقة الضيقة والنخيل والمشاهد التراثية التي شكّلت ذاكرة العراقيين لعقود طويلة.

وفي مقابلات صحفية سابقة، أوضح النقاش أن اختياره للخشب جاء نتيجة افتتانه المبكر بهذه المادة، إلى جانب التحدي الذي تفرضه عملية تطويعها وتحويلها إلى عمل فني متكامل. وكان يفضّل استخدام خشب الساج والبلوط نظرا لقدرتهما على مقاومة الظروف المناخية والحشرات، مؤكدا أن جودة الخشب تلعب دورًا أساسيًا في الحفاظ على العمل الفني لعشرات السنين.

ولم تكن أعماله مقتصرة على توثيق التراث فحسب، بل حملت أيضًا أبعادًا إنسانية ووطنية، إذ تناول في بعض منحوتاته ولوحاته موضوعات الحروب والحصار والأزمات السياسية والتصحر والجفاف، معبّرا عن معاناة الإنسان العراقي وتحولات المجتمع على مدى العقود الماضية. وتميّزت أعماله بمزج العناصر التراثية بالرموز التعبيرية الحديثة، ما منحها طابعًا فنيًا خاصًا جمع بين الأصالة والمعاصرة.

كما تحوّلت ورشته الواقعة في شارع المفيد قرب سوق النجارين في مدينة الكاظمية إلى ملتقى للفنانين والمهتمين بالفن التراثي، حيث عُرفت بأنها مساحة مفتوحة لتعليم الأجيال الجديدة وتبادل الخبرات الفنية.

وذكرت تقارير صحفية أن النقاش أمضى أكثر من أربعة عقود 'يحفر بغداد على الخشب'، فيما أطلق عليه بعض طلابه لقب 'شيخ النقاشين'، تقديرا لخبرته الطويلة ومكانته الفنية. وكان حريصًا على تدريب الشباب وتشجيعهم على تعلّم الحرف الفنية المرتبطة بالتراث العراقي، حتى إن بعض الأطفال كانوا يقضون عطلاتهم المدرسية داخل ورشته لتعلّم أساسيات النقش والحفر.

وخلال مسيرته الفنية الطويلة، أنجز النقاش أكثر من 680 عملا فنيا ومنحوتة بأحجام مختلفة، شكّلت بمجملها أرشيفا بصريا للهوية العراقية وتفاصيل الحياة الشعبية في بغداد.

وشارك في أكثر من ثلاثين معرضا شخصي وجماعيا منذ عام 1987، داخل العراق وخارجه، من بينها، معارض في فرنسا ولندن وفنزويلا والأردن وإيران وتركيا وهولندا، فضلا عن مشاركاته في مهرجانات عراقية بارزة مثل مهرجان بغداد الدولي ومهرجان الخط والزخرفة الإسلامية ومعارض الفن العراقي المعاصر.

وفي إحدى مقابلاته، وصف النقاش نفسه بأنه "إنسان بسيط محب للإنسانية"، يتألم لما يمر به العراق من أزمات ويتمنى أن يخدم الناس عبر الفن والجمال. وكان متزوجا وأبا لأربعة أبناء وابنة، وظل حتى سنواته الأخيرة يعمل داخل ورشته محاطًا بالخشب وأدوات النقش التي رافقته طوال حياته.

وبرحيله، يطوي العراق صفحة فنية مهمة، لكن أعماله ستبقى شاهدة على عشق بغداد وتراثها، وعلى فنان اختار أن يحفظ ذاكرة المكان بالحفر على الخشب.