العراق الموحد اليوم لا يخدم إلا ايران والسنة كبش فداءه الوحيد

هناك حقيقة لا يمكن التغافل عنها وهي ان بقاء العراق موحد طيلة قرن من الزمن لم يكن بسبب ايمان مكوناته بوحدته وبمصيرهم المشترك بقدر ما كانت حالة فرضتها ظروف داخلية وخارجية واكبت مسيرة هذه الدولة منذ تأسيسها في بداية القرن الماضي جعلت من تشظيها امرا صعبا، تمثلت هذه الحالة في عاملين: الاول، القمع الذي مارسته حكوماته المتعاقبة لفرض هذه الوحدة؛ وثانيا، الموازنات الاقليمية والدولية التي كانت سائدة الى وقت قريب والتي لم تكن القوى الكبرى المؤثرة ترغب في تغيرها او التلاعب بها.

بمعنى اخر فقد توازت توجهات حكومات بغداد المتعاقبة مع اجندات الدول الاقليمية وارادات الدول الكبرى في الحفاظ على وحدة العراق ومنعه من الانقسام. فانظمة بغداد المتعاقبة مارست القمع لاجهاض اي محاولة انفلات من فلك هذه الدولة حفاظا على مصالحها الحزبية والسلطوية، ساعدتها في ذلك تخوف دول المنطقة على امنها الوطني من ان تقسيم العراق قد ينقل العدوى اليها. بينما تعاملت الدول الكبرى مع الوضع العراقي من خلال خطين، فمن ناحية حافظت على تماسكه، ومن الناحية الاخرى ادارت الصراعات الداخلية بين الحكومات والمعارضة بشكل يسهم في ديدموته وابقاءه دون حل بغية اضعاف طرفي الصراع واخضاعهما لاجنداتها في المنطقة. اي ان جميع الاطراف كانت مستفيدة من وحدة العراق، والوحيد الذي دفع ثمنها هي المكونات العراقية بعمومها.

اما اليوم فان المنطقة تشهد اعادة تشكيل جديدة غيرت من المعادلات الدولية والاقليمية فيها، سبقتها تغيرات في الداخل العراقي انهت قدسية وحدة الحدود السياسية، وجعلت من التقسيمات في المنطقة امرا ممكنا ومطروحا بقوة. فالعراق اصبح خاضعا بشكل مباشر لتأثيرات القوى العالمية، ولم تعد اجندات تلك القوى متمحورة في العلاقة بين السلطة ومكوناته كما في السابق، بل تجاوزتها الى داخل المكون الواحد، وبذلك انتفت اهمية العراق الواحد الموحد بالنسبة لها. اما الدول الاقليمية ومن بينها تركيا فقد اثبتت التجربة لها بان الجار العراقي الذي يحكم من قوى واحزاب شيعية متحالفة مع ايران سيؤثر على امنها الوطني سلبا اكبر بكثير من الجار الكردستاني الذي يديره احزاب قومية علمانية تتمتع بعلاقات طيبة معها. كذلك فان الدول العربية توصلت الى قناعة بان وحدة العراق (ذات الصبغة الشيعية) تؤثر سلبا على مصالحها وتقوي المعسكر الاخر المنافس له في المنطقة. اما بالنسبة للمكونات العراقية (الكردية والسنية والشيعية) فقد توصلت الى قناعة مفادها ان بقاءهم ضمن دولة واحدة لا يصب الا في مصلحة المكون الذي يهيمن على السلطة، وبما ان التوجه المذهبي سيطر على المشهد العراقي وهيمنت القوى الشيعية على السلطة بدعم ايراني، فان المكونين الكردي والسني امامهما خياران: اما الخضوع لاجندات السلطة وتوجهات ايران، او الانفلات منهما والى الابد. اما ايران فقد بقيت تنادي بضرورة الحفاظ على وحدة العراق وسلامة اراضيه بعد ان استطاعت استغلال تلك الوحدة طوال اكثر من عشر سنوات لفرض اجنداتها ليس على العراق فحسب بل وعلى كل المنطقة، وتكمن المصلحة الايرانية في وحدة العراق في النقاط التالية:

- العراق الواحد الذي تحكمه احزاب شيعية ويضم مناطق سنية في اراضيه يعطي ايران مرونة اكثر في التحرك من خلاله في الوسط السني في المنطقة. ولقد شهدنا ذلك جليا في الكثير من مؤتمرات القمم العربية التي حضرها العراق والتي تبنى فيها مواقف متطابقة مع الموقف الايراني وتصب في مصلحته وكذلك الكثير من المواقف التي كانت تدعم توجهات ايران في المنطقة.

- العراق الواحد الذي تحكمه احزاب شيعية وتضم في اراضيه المناطق السنية شمال بغداد تعتبر ساحة مفتوحة امام ايران للتواصل مع الهلال الشيعي في المنطقة في سوريا ولبنان وفصل هذه المنطقة السنية عن العراق سوف يجعل من هذا التواصل صعبا للغاية مما يضعف الموقف الايراني اقليميا.

- العراق الموحد الذي تحكمه احزاب شيعية ويضم المناطق السنية يعتبر ممرا مستقبليا مهما لنقل الطاقة من والى ايران سواء الى سوريا ومنه الى البحر المتوسط او الى الاردن ومنه الى البحر المتوسط وخروج هذه المنطقة السنية سيجعله سدا منيعا في وجه الطموح الايراني هذا.

- العراق الواحد الموحد الذي تحكمه احزاب شيعية ويضم المناطق السنية يزيد من حجم السوق الايرانية خاصة وان حكومة بغداد عمدت وستعمد للحيلولة دون ازدهار اي نشاط اقتصادي حقيقي في تلك المدن السنية لإبقاءها مفتوحة امام الصادرات الايرانية.

- انفصال المنطقة السنية العربية من العراق يعني نشوء دولة سنية عربية على حدود ايران قد تقض مضجعها خاصة اذا حازت على دعم عربي وتركي مما قد يشكل تهديدا لا يقل عن التهديد الذي مثله صدام حسين في الثمانينات ازاء الثورة الاسلامية في ايران.

ان بقاء المنطقة السنية العربية ضمن العراق يعني بقائها منطقة قتال مستمرة بسبب التوجه الايراني الذي يصر على اضعاف تلك المناطق وتدميرها من خلال افتعال فوضى امنية وشن عمليات ارهابية فيها، تارة باسم المقاومة وتارة اخرى باسم الاسلام السياسي السني المتمثل بالقاعدة وداعش، وكل هذه الشعارات عاثت قتلا وتدميرا فقط في المناطق السنية.

ان كان بعض الساسة السنة العرب يتصورون بان وجود قواعد عسكرية اميركية في مناطقهم سوف تردع ايران من التحكم الامني بمناطقهم فهم واهمون، وتجربة سنوات ما بعد سقوط صدام حسين خير دليل على ذلك، فايران تمتلك اذرعا سنية تتعامل معها بشكل مباشر او غير مباشر تصب تحركاتها في المحصلة ضمن مصالح دولة الولي الفقيه، ووجود قواعد عسكرية في المناطق السنية ستجعلها هدفا مستمرا لتلك المجاميع السنية وحتى للمليشيات الشيعية بحجة مقاومة الوجود الاميركي. هذا يعني ان المناطق السنية بكل الاحوال لن تنعم بالراحة والاستقرار والازدهار طالما بقيت ضمن العراق الواحد الموحد، العراق الذي تسيطر عليه ايران وتحرك فيها اذرعه في اي زمان ومكان تشاء.