العراق بين اختبار الشراكة الفيدرالية وتحدي بناء الثقة من جديد
أربيل/بغداد – جاءت تصريحات رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني عقب إدلائه بصوته في أربيل، لتجسد رؤية مغايرة، إذ أكد أن الانتخابات "مهمة لأن الشعب سيقرر فيها شكل الحكم للأعوام الأربعة المقبلة"، داعياً إلى ممارسة الاقتراع بحرية بعيداً عن أي ضغوط.
وتعبر تلك الرسالة الكردية عن وعي متزايد بأن مستقبل الإقليم مرتبط بمستقبل العراق كله، وأن الحل لا يكون بالمناكفة السياسية، بل ببناء شراكة قائمة على الاحترام المتبادل وتوزيع عادل للسلطات والثروات.
وتأتي تصريحات رئيس حكومة إقليم كردستان بينما تتجه الأنظار في العراق إلى مرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية، حيث تتجاوز رهاناتها مسألة من يفوز أو يخسر، لتتمحور حول سؤال جوهري: هل تستطيع الحكومة المقبلة أن تؤسس لشراكة حقيقية بين بغداد وأربيل تُعيد الثقة إلى النظام الفيدرالي وتُرمّم العلاقة المهتزة بين المركز والإقليم؟
ومهما كانت التحالفات التي ستنبثق عن صناديق الاقتراع، يبقى نجاح أي حكومة عراقية جديدة مرهونا بقدرتها على ترسيخ استقلال القرار الوطني، والتحرر من نفوذ الخارج—وخاصة الإيراني—ومن إرث المحاصصة الطائفية والحسابات الفئوية الضيقة، وكذلك من شبكات الفساد التي نخرت مؤسسات الدولة منذ عام 2003. لكن الاستقلال السياسي لا يكتمل دون إصلاح العلاقة بين المكونات الوطنية، وفي مقدمتها العلاقة بين بغداد وأربيل، التي تشكّل مقياساً لجدّية أي مشروع إصلاحي في العراق الجديد.
فالمعادلة الاتحادية لا تزال تعاني هشاشةً بنيوية، تتجلى في الخلافات المزمنة حول الموازنة الاتحادية، وصرف رواتب موظفي الإقليم، وتقاسم العائدات النفطية، وتطبيق المادة 140 من الدستور الخاصة بالمناطق المتنازع عليها. إن استمرار هذا النهج القائم على التعطيل والتعالي من قبل المركز لا يهدد فقط استقرار الإقليم، بل ينسف فكرة الدولة العراقية العادلة والمتوازنة.
ولقد أثبتت تجربة إقليم كردستان، رغم التحديات السياسية والاقتصادية، أن الحكم الذاتي المحلي يمكن أن يتحول إلى قصة نجاح حين يُدار بعقلانية ومهنية، فالإقليم استطاع، بدرجة من الواقعية السياسية، أن يخلق بيئة أكثر استقراراً وانفتاحاً على الاستثمار مقارنة ببقية مناطق العراق. وهذه التجربة ليست تهديداً للوحدة الوطنية، بل يمكن أن تكون نموذجاً ملهماً لبغداد في كيفية إدارة التعددية ضمن إطار الدولة الواحدة.
وأي حكومة مقبلة ستقف أمام مفترق طرق حاسم: فإما أن تعيد إنتاج المنظومة القديمة القائمة على المحاصصة والولاءات الخارجية، وإما أن تفتح أفقاً جديداً نحو دولة المواطنة والسيادة والحوكمة الرشيدة، بما يعيد الثقة بين المركز والإقليم، ويمنح الفيدرالية مضمونها الحقيقي.
وفي النهاية، لن يُقاس نجاح الحكومة المقبلة بعدد مقاعدها في البرلمان، ولا بميزان القوى داخل “الإطار التنسيقي” أو خارجه، بل بقدرتها على بناء عقد سياسي جديد يضع العراق فوق كل الولاءات، ويعيد اللحمة إلى العلاقة بين بغداد وأربيل باعتبارها حجر الزاوية في مشروع الدولة العراقية الحديثة. فإما أن تكون هذه الانتخابات بوابة لشراكة فيدرالية ناضجة، وإما أن تبقى حلقة أخرى في مسلسل الفشل وإعادة إنتاج الأزمات.