العراق عالق في لعبة الكبار بين حسابات الجيران وضعف القرار الداخلي
بغداد - أثار قرار البرلمان التركي، مطلع هذا الأسبوع، بتمديد تفويض وجود القوات العسكرية التركية في شمال العراق لثلاثة أعوام، جدلاً واسعًا في بغداد، فقد أعلن وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين اليوم الجمعة أن بغداد ستناقش مع أنقرة هذا القرار، في محاولة لاحتواء التوتر المزمن بين البلدين حول طبيعة هذا الوجود وأهدافه.
ورغم أن تركيا تبرر استمرار عملياتها العسكرية داخل الأراضي العراقية بأنها تستهدف مقاتلي حزب العمال الكردستاني المصنّف لديها كمنظمة إرهابية، فإن التمديد الأخير أثار تساؤلاتٍ عميقة حول مدى أنقرة لسيادة العراق، وحدود قدرة بغداد على الحد من هذا النفوذ المتنامي.
سيادة معلّقة بين الالتزامات والضغوط
وتبدو الحكومة العراقية في موقفٍ معقّد، إذ تجد نفسها عالقةً بين التزاماتها الدبلوماسية تجاه تركيا، من جهة، وضغوط الفصائل الشيعية المسلحة الموالية لإيران، من جهةٍ أخرى. فبينما تسعى بغداد للحفاظ على قنوات التواصل مع أنقرة لضمان الاستقرار على حدودها الشمالية واستمرار التعاون الاقتصادي والتجاري، ترى تلك الفصائل أن الوجود التركي يشكل انتهاكًا مباشرًا للسيادة الوطنية، وتطالب الحكومة باتخاذ موقفٍ أكثر صرامة.
ويرى مراقبون أن بغداد تفتقر إلى أدوات ضغطٍ فعالة للحد من التحركات التركية داخل أراضيها. فالقوات التركية ترسخت منذ سنوات في مناطق تمتد من دهوك إلى سنجار، وأقامت أكثر من 30 قاعدة عسكرية وموقع مراقبة داخل العمق العراقي، تحت مبرر ملاحقة مقاتلي حزب العمال الكردستاني. لكن هذه المواقع باتت، في الواقع، جزءًا من معادلة النفوذ الإقليمي التي تستخدمها أنقرة لتأكيد حضورها الأمني والسياسي في شمال العراق.
النفوذ الإيراني في خلفية المشهد
في المقابل، تتحرك الميليشيات الشيعية الموالية لإيران بفاعليةٍ لتقويض النفوذ التركي في العراق، ليس بالضرورة دفاعًا عن السيادة الوطنية، بل في إطار الصراع الإقليمي الأوسع بين طهران وأنقرة. فإيران تنظر بقلقٍ إلى التمدد التركي العسكري والاقتصادي في مناطق شمال العراق، وتخشى أن يؤدي ذلك إلى تقليص مجال نفوذها التقليدي في بغداد والجنوب.
وتعمل بعض الفصائل الشيعية على توظيف خطاب "مقاومة الاحتلال التركي" لتعزيز شرعيتها المحلية، وربما لتوسيع حضورها العسكري والسياسي. وقد لوّحت بعض هذه الجماعات، في أكثر من مناسبة، باستهداف القواعد التركية في شمال العراق، معتبرةً أن استمرار أنقرة في تجاهل مواقف بغداد سيقابَل بـ"مقاومةٍ ميدانية". إلا أن هذا التصعيد المحتمل يحمل مخاطر جسيمة، إذ قد يدفع العراق إلى مواجهةٍ مفتوحةٍ لا تصب في مصلحته الوطنية، بل تكرّس واقع الانقسام الداخلي بين قوى الدولة وقوى "اللادولة".
ورقة المياه... سلاح تركي بامتياز
إلى جانب البعد الأمني، لا تتردد تركيا في استخدام ورقة المياه كورقة ضغطٍ سياسية على بغداد. فمشاريع السدود العملاقة التي تنفذها أنقرة على نهري دجلة والفرات منذ سنوات أثّرت بشكلٍ مباشر على حصة العراق من المياه، وأدت إلى تفاقم أزماته الزراعية والبيئية. وتربط أنقرة، بشكلٍ غير معلن، تحسين تدفق المياه بتعاون بغداد في ملفاتٍ أخرى، من بينها التنسيق الأمني ضد حزب العمال الكردستاني، وضمان مصالح الشركات التركية العاملة في الإعمار والطاقة.
ويرى محللون أن تركيا باتت توظف المياه كأداةٍ تفاوضيةٍ للابتزاز السياسي، في وقتٍ يعاني فيه العراق من أزمةٍ مائيةٍ خانقةٍ تهدد الأمن الغذائي والاقتصادي للبلاد. وفي المقابل، تبدو الحكومة العراقية عاجزةً عن فرض شروطٍ متبادلةٍ أو الوصول إلى اتفاقٍ ملزمٍ يضمن حصة عادلة من مياه دجلة والفرات.
بين النفوذ الإقليمي ومأزق القرار الوطني
يتقاطع في الملف العراقي - التركي عددٌ من التحديات: حدودٌ مفتوحةٌ وصراعات داخلية، وتوازنات إقليمية معقّدة. فالعراق، الذي يحاول الحفاظ على علاقات متوازنةٍ مع كلٍّ من تركيا وإيران والولايات المتحدة، يجد نفسه أمام معادلةٍ صعبةٍ تتطلب قدرًا عاليًا من الحنكة السياسية والجرأة الدبلوماسية.
ويرى خبراء أن أيّ مسعى عراقي للحد من النفوذ التركي لن يكون ممكنًا دون توحيد الموقف الداخلي أولًا، وتفعيل أدوات الدولة في السياسة الخارجية والأمنية. فالمعادلة الراهنة تُظهر أن أنقرة تتحرك بثقةٍ في ظلّ ضعف القرار المركزي في بغداد، بينما تستغل القوى الإقليمية هذا الضعف لترسيخ نفوذها كلٌّ حسب مصالحه.
وفي المحصلة، فإن تمديد أنقرة وجودها العسكري في العراق ليس مجرد خطوةٍ أمنية، بل تعبير عن واقع النفوذ المتشابك الذي يختبر فيه العراق قدرته على حماية سيادته وسط لعبة إقليمية معقدة، تتقاطع فيها مصالح المياه والنفط والسياسة، وتُبقي القرار العراقي محاصرًا بين ضغوط الداخل ومطامح الخارج.