العراق يدخل الصمت الانتخابي وسط توقعات بتشتت الأصوات وهيمنة التحالفات
بغداد - يدخل العراق غدًا السبت مرحلة الصمت الانتخابي استعدادًا للتصويت في الانتخابات البرلمانية في موعدها المقرر في 11 نوفمبر/تشرين الثاني. وتزامنًا مع احتدام المنافسة في الأيام الأخيرة من الحملات، تتجه الأنظار نحو صناديق الاقتراع التي ستحسم خارطة المشهد السياسي المقبل في البلد العربي.
وتمثل هذه الانتخابات استحقاقًا وطنيًا حاسمًا لتقييم مدى قدرة النظام الديمقراطي على الاستجابة للتحديات الراهنة، بينما يرى مراقبون أن الدلائل الأولية تشير إلى أن العملية برمتها قد تعاني من "هزيمة البرامج الانتخابية" لصالح "التحالفات التكتيكية".
واللافت هذا العام، وفقًا لتحليلات خبراء عراقيين، هو التشتت الهائل في أصوات الناخبين وتعدد القوائم. إذ رأى المحلل السياسي رحيم الشمري، في تصريحات لوكالة الأناضول، أن ارتفاع عدد المرشحين إلى ما يزيد عن 7800 سيجعل فكرة ظهور "قائمة رئيسية مهيمنة" أمرًا بعيدًا عن الواقع.
وقالت رئيسة منظمة "آيسن" لحقوق الإنسان أنسام سلمان، في تصريحات للأناضول، إن الخارطة السياسية لم تشهد تغييرًا في جوهرها، حيث أن أغلب التحالفات الحالية "وقتية وتكتيكية" وهدفها الأساسي عبور العتبة الانتخابية وليس طرح برامج وطنية واضحة.
ويتنافس في الانتخابات البرلمانية 7768 مرشحًا، بينهم 5520 رجلًا و2248 امرأة، بينما يحق لنحو 21 مليون ناخب الإدلاء بأصواتهم، لاختيار 329 عضوًا في مجلس النواب، وهم المسؤولون عن انتخاب رئيس الجمهورية ومنح الثقة للحكومة.
وبدأت دورة مجلس النواب الحالية في 9 يناير/كانون الثاني 2022، وتستمر 4 سنوات تنتهي في 8 يناير 2026. ووفقًا للقانون العراقي، يجب إجراء الانتخابات التشريعية قبل 45 يومًا من انتهاء الدورة البرلمانية. ويضم البرلمان الحالي 320 نائبًا، وتملك أحزاب وتيارات شيعية الغالبية فيه. وتتقاسم السلطات الثلاث مكونات مختلفة، إذ تعود رئاسة الجمهورية تقليدًا إلى الأكراد، ورئاسة الوزراء إلى الشيعة، بينما يتولى السنة رئاسة البرلمان.
تشتت الأصوات
وشدد الشمري، وهو صحفي متخصص بالمعلومات أيضًا، على أن المشهد الانتخابي العراقي لعام 2025 لن يشهد ظهور "قوائم رئيسية أو مهيمنة" قادرة على حصد الأغلبية.
وأشار إلى أن أصوات الناخبين ستعاني من "التشتت" بسبب عوامل متعددة، منها عزوف الناخبين، وتأثيرات الهجرة، والارتفاع غير المسبوق في عدد المرشحين الذي بلغ أكثر من 7800. وأضاف أن "ما يتحدث به زعماء القوائم عن وجود قائمة رئيسية، هذا بعيد عن أرض الواقع".
واستدرك "سوف تكون هناك قوائم طبيعية تحصل على مستوى محدود من المقاعد لا تتجاوز 5 بالمئة، وأخرى تحصل على اثنين أو واحد بالمئة من عدد المقاعد البالغ 329".
وشدد على أن التوزيعة العامة للمقاعد بين المكونات الرئيسية "ثابتة" منذ انتخابات 2010 و2014، إذ تُحسم المقاعد المتبقية بعد الكوتا (التي تبلغ 9 مقاعد) وفقًا لنسب تقليدية. أما التوزيع فهو بين 180 إلى 190 مقعدًا للمكون الشيعي، ومن 60 إلى 70 مقعدًا للمكون السني، ومن 50 إلى 60 مقعدًا للمكون الكردي، وفق الشمري.
وأوضح الشمري أن انشطار القوائم يقسّم الكتل ولن يجعل أي كتلة تتجاوز 5 إلى 6 بالمئة من عدد المقاعد.
وأكد أن "مسألة اختيار الرئاسات الثلاث (الجمهورية، الوزراء، البرلمان) لا تخضع للخطوات الدستورية بقدر خضوعها لتوافقات الكتل واتفاقياتها ومصالحها"، مضيفا أن "الجميع يعلم أن رئيس البرلمان، لو جلب ألف مقعد نيابي، لن يكون رئيسًا إلا بالاتفاق"، وكذلك رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء.
الخارطة السياسية
وبشأن الخارطة السياسية للمكونات، توقع الشمري ترشيح المكون الشيعي شخصيات "مستقلة" في بغداد والمحافظات المختلطة والوسطى والجنوبية، نظرًا لـ"الصورة غير الإيجابية للجمهور" عن القوائم السابقة، مشيرًا إلى وجود 10 قوائم سائدة لا يمكن تحديدها حاليًا.
أما المكون السني، فأشار إلى أن "محافظات الأنبار (غرب) وأجزاء من بغداد (وسط) وديالى (شرق) وصلاح الدين (شمال) والموصل (جنوب) ستكون تحت وطأة التشتت بعد نزول أكثر من 6 قوائم، ما سيجبرها لاحقًا على التوحد للدخول في مفاوضات المناصب".
وتوقع الشمري أن يكون للأحزاب الناشئة والمستقلين تأثير ملموس هذه المرة، مردفًا "أعتقد أن هذه الكتلة الناشئة ستحصل بما لا يقل عن 25 إلى 30 مقعدًا هذه المرة، وهي نسبة ليست بالهينة وستؤثر على المشهد أفضل من الذين كانوا في الدورة السابقة".
تحالفات مؤقتة
وقالت رئيسة "منظمة آيسن لحقوق الإنسان" أنسام سلمان في حديثها للأناضول إن الخارطة السياسية بالعراق "لن تشهد تغييرًا كبيرًا في جوهرها"، لأن ما بعد الانتخابات سيشهد في الغالب اختيار رئيس الوزراء بـ"شكل توافقي كما هو معروف ومعتاد".
وانتقدت ضعف البرامج الانتخابية المطروحة، موضحة أنها "شبه معدمة للأسف بالنسبة للإطار التنسيقي (شيعي) والقوى السنية وحتى الكردية، وهذا ما تسبب في فقدان الثقة من قبل الجمهور وأثر على نسبة المشاركة". ووصفت التحالفات القائمة بأنها "وقتية بهدف تكتيكي عابر".
ورأت أن أغلب التحالفات "يمكن أن تنتهي فور انتهاء الانتخابات وإعلان النتائج، فهي غايتها عبور العتبة الانتخابية بأدوات تقليدية، ولم تفكر بطرح برنامج واضح". وبشأن دور الأحزاب وبناء الدولة، أشارت سلمان إلى "فشل الأحزاب في جذب الناخبين"، مؤكدة وجود "فجوة كبيرة بين الشارع والأحزاب". وأضافت: "الأحزاب لم تبنِ الدولة، والكثير من قادتها يستخدمون الخطابات الطائفية والعنصرية والقومية واللعب على الوتر العاطفي لجذب الجمهور الساذج لها".
المقاعد النسائية
وعن التمثيل النسائي، أقرت سلمان بأن نظام الكوتا هو "تمييز إيجابي" أسهم في ضمان حقوق المرأة وتشجيعها على خوض الانتخابات (إذ تجاوز عدد المرشحات 2000 امرأة)، لكنها انتقدت جودة هذا التمثيل. وقالت إن "أكثر النساء يضمنَّ الفوز عن طريق المال السياسي ودعم القائمة لها، وأكثرهن بعيدات عن التأثير في صنع القرار السياسي وحتى التشاور، فتمثيل المرأة للأسف لم يعد أكثر من كونه تمثيلًا شكليًا صوريًا".
ووفقًا للقانون الانتخابي، تخصص نسبة لا تقل عن 25 بالمئة من المقاعد البرلمانية بما لا يقل عن 83 مقعدًا لما تعرف بـ "كوتا النساء"، بجانب تخصيص 9 مقاعد لمكونات قومية ودينية على مستوى المحافظات أو على المستوى الوطني.
المفوضية تعلن الجاهزية
وقالت متحدثة المفوضية جمانة غلاي إن "مفوضية الانتخابات مستعدة بالكامل لإجراء التصويت الخاص يوم 9 نوفمبر، والتصويت العام يوم 11 نوفمبر/تشرين الثاني".
وأضافت أن الصمت الانتخابي سيبدأ صباح غد السبت، في تمام الساعة السابعة صباحًا بالتوقيت المحلي (4:00 ت.غ). وذكرت أن "المفوضية تسلمت أكثر من 9500 مركز اقتراع (مدرسة)، وبدأت بتأمينها بالتنسيق مع اللجنة الأمنية العليا". ولفتت إلى أن "كل محطة اقتراع سيتم تزويدها بكاميرتين، وثلاث كاميرات في كل مركز، لتوثيق عملية الاقتراع".
وفيما يخص التصويت الخاص، بيّنت أنه "مخصص للعسكريين من القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، ويشمل منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية والبيشمركة، وجهاز مكافحة الإرهاب وهيئة الحشد الشعبي، وهيئة المنافذ الحدودية، إضافة إلى النازحين داخل المخيمات، ونازحي سنجار داخل وخارج المخيمات". وأكدت أن "عملية توزيع البطاقة البيومترية مستمرة عبر 1079 مركز تسجيل، وستستمر حتى يوم الاقتراع".
وطمأنت المتحدثة الناخبين بشأن سرية التصويت، قائلة "ليطمئن الناخب، لا يستطيع أحد أن يعرف هذا الناخب لمن صوّت إطلاقًا حتى مفوضية الانتخابات لا تستطيع ذلك، لأن ورقة الاقتراع لا تحمل اسمًا، والمفوضية تتعامل بالأعداد والأرقام".
وحذرت من أن لجان الرصد ستواصل متابعة من يقوم بخرق الصمت الانتخابي، مشيرة إلى أن المخالفين تترتب عليهم عقوبات قد تكون غرامات وبحسب ما يقدّره مجلس المفوضية وفقًا لقانون الانتخابات.