العراق

بقلم: إسراء كاظم طعمة

روجت التصريحات العراقية والدولية منذ غزو العراق في الـ2003 لفكرة مفادها الرغبة الجادة لبناء عراق متماسك وقوي قادر على حكم نفسه وإدارة شؤونه عبر تداول السلطة فيه سلمياً وفق مبدأ ديمقراطي يعتمد على ما تفرزه نتائج الانتخابات والسعي الجاد لبناء قوة دفاعية متينة له مقدرة صد المخاطر الداخلية والتهديدات الخارجية، والنهوض بالتنمية والأعمار والاقتصاد وما إلى ذلك من مشاريع توحي ببلد مزدهر.

بالضرورة كل هذه الانجازات يجب أن تتحقق في حالة واحدة وهي أن يكون العراق في الأصل على المسار الصحيح... فهل سمحت جهود رجال السياسة الأميركيين وبعض رجال السياسة العراقيين ونواياهم ومخططاتهم بالعمل على تحقيق ما أفادت به تصريحاتهم العلنية، هل أتيح المجال لكي يوضع العراق على المسار الصحيح أم أوصدت كل المنافذ أمامه لتدفعه رغماً عنه نحو المسار العكس؟ هل وجود عراق متماسك وقوي هو من مصلحة الولايات المتحدة الأميركية صاحبة فكرة الغزو ومنفذته؟ هل وجود عراق ناجح وبناء هو من مصلحة بعض الأطراف العراقية والتي تغلغلت في هرم سلطة الدولة العراقية فكانت أرائها في السر خلافها في العلن.. هل أصبح العراق في مرحلة الحاجة للعودة نحو نقطة الصفر، ليتبصر من يدير شؤونه النظر بما تحقق عبر السنوات التي تلت الغزو... ويدون أخطاءه ويتوقف عن تكرارها؟

عادة ما تكون الأمور بنتائجها.. فكيف كانت النتائج واقعاً في العراق على مدار ما يقارب التسعة أعوام التي تلت الغزو...

من أهم ما ينجز في مرحلة أعادة بناء الدول هو الكيفية التي تكتب بها دساتيرها وقوانينها والمضامين التي تحويها..، إذ أن الدستور ومن بعده القوانين كما هو معلوم هو ما ينظم شؤون البلد حاضراً ومستقبلاً... وجاء في الدستور العراقي الجديد مواد مهدت مستقبلاً إلى التفرقة والتقسيم وتحديداً تلك المواد التي تحديث عن نظام الأقاليم.... وخير دليل على ذلك ما يجري حالياً من نقاشات تطالب بإقليم الغرب "إقليم الانبار" من جهة ومطالبات أخرى بإقليم البصرة من جهة أخرى ولا ننسى الخلافات المستمرة حول محافظة كركوك ورغبة الأكراد في ضمها لإقليم كردستان.. والجميع يستند إلى أنه حق دستوري فلننظر إلى ما جاء به الحق الدستوري وأين مبدأ العراق المتماسك منه؟

كما وأثارت التشريعات العراقية الجديدة خلافاً جديداً مع التعديل الحاصل على قانون الانتخابات لسنة 2005،.. إثر إعلان نتائج الانتخابات النيابية في الـ2010 خلق شرخ كبير بين الكتل السياسية ما زالت تصدعاته ظاهرة حتى ألان في العملية السياسة وفي تشكيل الحكومة الذي لم يكتمل رغم مرور ما يقارب العام والنصف على انتهاء الانتخابات... لتخلق مطالبات ونزاعات لم تحل حتى ألان، فهل وضعت كل تلك الكتل التي جاءت في الأصل وفق ما أعلنت وتعلن لخدمة العراق، هل سمحت للعراق هذه المرة بان يخطو خطواته على المسار الصحيح؟

أما أمنياً فالوقائع هي من يتكلم ولا داعي للسرد،.... والتجاذبات في الآراء حيال تمديد الاتفاقية الأمنية المبرمة بين العراق والولايات المتحدة الأميركية والتي تنتهي مع نهاية الـ2011، تعكس الواقع حقاً... حيث جاءت تصريحات حكومية تكشف أن العراق حتى ألان لا يمتلك قوى دفاعية قادرة على حمايته وصد المخاطر الداخلية والخارجية عنه... فما الذي سعت إلى انجازه القوات العسكرية الأميركية التي غير المقاتلة والتي بقيت في العراق بعد انسحاب قواتها المقاتلة أثر توقيع الاتفاقية الأمنية، إذ روج حينها أن وجود تلك القوات الغاية منها تدريب القوات العراقية "الجيش والشرطة" هذا من طرف، وفي الطرف العراقي تعهد رجال السلطة في العراق على تسليح الجيش العراقي بما يوصله إلى مرحلة الاستعداد للقيام بواجبه.. فكيف ذلك والواقع يشير خلاف ما يعلن؟...

وماذا عن التنمية في العراق؟ حيث ساهمت الولايات المتحدة وحلفائها منذ حرب الخليج في الـ1991 في القضاء على كل ما من شأنه المساهمة في نهوض العراق عبر حصار متين وعتيد استمر لـ13 عاماً بعد أن دمرت البنى التحتية له خلال تلك الحرب، وهكذا أنهك العراق حتى جاء الغزو في الـ2003 ليقضي على ما تبقى من دعائم الاستمرار والنهوض.. ولكن ما شهده العراق بعد الغزو لا يمكن أن يصنف على انه نمو اقتصادي حقيقي ونهوض واقعي بمتطلبات التنمية والأعمار مما يعكس تخاذل دولي في هذا الصدد.

وماذا عن الإصرار على رضوخ العراق وبرغبة دولية لنظام المحاصصة الطائفية في توزيع المناصب في السلطتين التشريعية والتنفيذية، رغم أن هذا النظام أثبت فشله منذ سنوات وروج للكثير من التصدعات والخلافات.. في الجانب التشريعي عرقل واضعف هذا النظام أداء مجلس النواب في محاسبة الفساد والمفسدين وفي إقرار جملة من القوانين الضرورية.. وكذلك الحال في السلطة التنفيذية إذ انه جاء بحكومة مترهلة... فهل رجال السياسة في العراق ما زالوا في مرحلة التجريب السياسي ومتى سيتم الاكتفاء من هذه المرحلة للوصول إلى مرحلة الواقعية السياسية والنظر بما يصوب الأمور ويأخذها نحو المسار الصحيح؟

إسراء كاظم طعمة

باحثة وإعلامية ومدونة عراقية

http://bysarahaonline.blogspot.com