العشق كمال الجمال بين العاشق والمعشوق

كتاب "مشارق أنوار القلوب ومفاتيح أسرار الغيوب" لمؤلفه عبدالرحمن بن محمد الانصاري المعروف بابن الدباغ قلّ نظيره في تراثنا العربي.


سعد الدين كليب: ابن الدباغ في كتابه لم يكن يهدف إلى التنظير في مسائل الجمال والجلال، أو في الأذواق واللذائذ والمشاعر الجمالية


 الكتاب يمكن اعتباره نصا صوفيا رفيعا ونادرا في تراثنا على العموم

يحفل التراث العربي بكتب العشق وأحوال العشاق شعرا ونثرا، بل لا يكاد يخلو كتاب تراثي من حكاية أو قصيدة عشق، ويحتل التراث الصوفي مكانة بارزة في تراث العشق، وإن كان عشق الصوفية يختلف عن العشق كظاهرة إنسانية حيث يرتقي روحا وجسدا إلى العشق الإلهي، وهذا الكتاب "مشارق أنوار القلوب ومفاتيح أسرار الغيوب" لمؤلفه عبدالرحمن بن محمد الانصاري المعروف بابن الدباغ، والذي حققه المستشرق الألماني هلموت ريتر، كتاب فريد قلّ نظيره في تراثنا العربي، حيث يجمع وفقا للشاعر حسن طلب الذي صدَّر له بين كونه كتابا في العشق وفنونه، وبين كونه كتابا عن مفهوم الجمال بشتى مستوياته المتدرجة من الجمال الحسي إلى الجمال الروحاني، وأيضا يمكن اعتباره نصا صوفيا رفيعا ونادرا في تراثنا على العموم.
وفي دراسته التمهيدية للكتاب الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، رأى د.سعد الدين كليب أن ابن الدباغ في كتابه لم يكن يهدف إلى التنظير في مسائل الجمال والجلال، أو في الأذواق واللذائذ والمشاعر الجمالية، بل لم يكن يهدف إلى مقاربة الحقل الجمالي أصلا، فهو معني أولا وأخيرا بالمحبة الإلهية وما يدخل فيها ويتنافر معها، ويترتب عليها في الطريق العرفاني إلى الله. فكان كتابه ذلك جوابا مستفيضا عن سؤال لأحدهم حول ذلك الطريق دون سواه، أراد فيه أن يبين قدر المستطاع ما الزاد الذي ينبغي أن يتزوده السالك فيه، وما المحطات أو المقامات التي يمكن أن يترقى بها، وما المشاعر الوجدانية التي سوف يتقلب فيها من حال إلى حال. حتى يصل إلى مبتغاه الأسمى وهو العيش في عالم القدسي. غير أن إجابته الصوفية تلك إجاب عن الكثير من المسائل الجمالية، وعالج عددا كبيرا من الموضوعات والأطروحات الفكرية ذات الصلة بنظرية الجمال العام بحسب المصطلح الحديث، بالرغم من أنه لم يخرج عن موضوعه الأساس، ولم يتطرق إلى غيره من الموضوعات أو لقضايا.

العارفون ينظرون إلى جمال الصنعة الإلهية فيتوصلون به إلى صورة الجمال المجرد ثم منه إلى عالم الجمال الكلي ثم إلى جمال الواهب للكل الذي كل جمال في العالم مستفاد منه 

ويرى كليب في دراسته أن ابن الدباغ ينطلق من بديهية عرفانية مستمدة من نظرية الفيض أساسا، في تحديد تراتبية الخلق والجمال معا، فيرى أن النور الإلهي القدسي الذي هو سر الوجود والحياة والجمال والكمال قد أشرق على العالم كله، فكانت الذوات العاقلة العارفة أي الملائكة، هي التجلي أو الظهور الجمالي الأول له، ثم سرى منها ذلك النور إلى عالم النفوس الإنسانية التي هي جواهر روحانية، وهذا هو الظهور الثاني ثم بعد سرى منها، أي من النفوس، إلى أبدانها الآدمية المعتدلة التي هي خاتمة السريان، ولذلك فإن الأبدان تقبل النور ولا تنير بخلاف الذوات العارفة والنفوس الإنسانية التي كل منها ينير ما دونه، أو أنه مستنير ومنير معا. وبالإبدان تكتمل دائرة الخلق والجمال والمحبة، أما بالنسبة إلى المحبة فإن تلك التجليات ذات الطبيعة الجمالية تقوم أصلا على المحبة والعشق إذ تبتهج الذوات والنفوس بما حصل لها من الجمال وتتشوق إلى مشاهدة الجلال الإلهي فهي دائما في محبة أو في ابتهاج يشوبه القهر. وبناء على ذلك السريان الذي هو سريان جمالي فكل ما في الكون عاشق ومعشوق، عاشق لما قبله أو فوقه بما فيه من جمال، ومعشوق لما بعده أو دونه بما فيه من جمال أيضا.
ويشير إلى تقسيم ابن الدباغ الجمال إلى ثلاثة أقسام وهي: عالم حس الصورة، أي الجمال الجزئي، وعالم صورة الحسن، أي الجمال المجرد، وعالم الجمال المطلق، أي الجمال القدسي أو الإلهي. ويلاحظ في ذلك التقسيم: الجمالات المادية في عالم الظواهر والأشياء، والجمالات الصورية في عالم المعاني المجردة، والجمالات الروحانية المطلقة، وهي عالم الربوبية المتعالي، وهي عوالم متراتبة تفاضليا من الأعلى إلى الأدنى، حيث الأعلى هو العلة فيما دونه، وهو الأشرف بالضرورة، فالعالم القدسي سبب عالم المعاني وهذا سبب العالم المادي. 
غير أن الدباغ يقسم الجمال أيضا ولكن باعتبار آخر، إلى قسمين وهما الجمال المطلق والجمال المقيد، أما المطلق فهو واحد غير متعدد أو متنوع، ينفرد به الحق تعالى، أي يعم الوجود بأسره، والجمال الجزئي وهو جمال يخص بعض الذوات دون بعض وينقسم كل من الجمال الكلي والجمال الجزئي إلى ظاهر وباطن، أما الباطن فهو المجرد عن الأجسام، ويظهر على عالم النفس من أنوار الجمال المطلق، في حين أن الجمال الظاهر هو ما يتعلق بالأجسام ويدرك بطريق الحواس، وهذا ينقسم بدوره إلى ما يتعين له محل وما لا يتعين له محل.
ويوضح كليب أن محبة الجمال لذاته أو لأنه أهل لذك هي واحدة من الأفكار المتواترة في تراثنا الفكري عامة، سواء أكان في نظرية الجمال العام أم في نظرية الفن ـ في الشعر والخط والزخرفة والموسيقى على السواء ـ غير أن المتصوفة هم الأكثر احتفاء بها، لاتصالها بمفهوم الجمال الإلهي الذي هو مركز الثقل في الخطاب العرفاني. وبما أن الجمال الإلهي الذي هو مركز الثقل في الخطاب العرفاني. وبما أن الجمال الإلهي هو الأصل في الجمالات كلها وهو محبوب لذاته، فمن البديهي أن تحب تلك الجمالات لذاتها أيضا. يقول ابن الدباغ في جمال الطبيعة والفنون "إن الذي يلتذ بالنظر إلى الأزهار الأنيقة والرياض الأريضة والمياه الصافية والنقوش المزخرفة لا يحب نفسها ولا يحبها إلا لمجرد لذة النفس بالنظر إليها لا غير، فإن كون هذه الأشياء على غير اعتدال صورتها الظاهرة كمال لها، والكمال محبوب بالجبلة لا ينكر ذلك ولا يدفع" ويقول أيضا "نجد كثيرا من الناس يحب شيات الخيل وتناسب أعضائها وهو زائد على المنفعة المرادة منها، وليس ذلك إلا لما فيها من جمال نفسها الحيوانية".

ويلفت إلى أن ابن الدباغ يرى أن المشاهدة أو التجربة الجمالية بالمصطلح الحديثة تفترض ثلاثة شروط لا تكتمل المتعة أو اللذة دونها، وهي المدرَك والمدرٍك والإدراك، إذ "إن لذة المشاهدة بقدر كمال الإدراك، وكمال الإدراك يختلف بأمور هي اختلاف المدرَك والمدرِك والإدراك وتفاوتها في الكمال والنقص". أما المدرَك وهو الموضوع، فكلما كانت صفاته في غاية الكمال والحسن والجمال كانت المشاهدة أكمل، وكذا فكلما كان المدرِك وهو الذات في غاية المحبة والشوق والصفاء والرقة كانت المشاهدة أعظم، أما حالة الإدراك فـ "إن الذي يشاهد محبوبه في صفاء الجو عند انتصاف النهار دون حائل ولا تشويش أكمل لذة من الذي يشاهده خلف ستر أو في غيم وكلما كان الإدراك أتم كانت اللذة أعظم وأكمل".
وفي مقدمته أشار المستشرق الألماني هلموت ريتر إلى أن بحث العشق يرد كثيرا في كتب الأدب العربي العامة، ولكن يوجد أيضا كتب ورسائل أفردت لهذا الموضوع، وهي تنقسم بوجه عام إلى نوعين نوع اعتبر مؤلفوها المحبة والعشق ظاهرة إنسانية لا تعدو حدود الأحوال البشرية المشهودة من أهلهما من الحيرة عند مشاهدة جمال مخلوق، وما تعلق القلب بالمعشوق والألم عند هجره أو فراقه والشوق إليه إذا غاب وتتييم العشق صاحبه وابتلائه بالرقباء والوشاة إلى غلو في العشق الذي يؤدي بصاحبه إلى الموت أو إلى قتله نفسه لشدة الغرام واليأس من الوصال أو إلى الجنون. والكتب التي من هذا النوع لا تكاد تخلو من حكايات غريبة عن المحبين والعاشقين كما حكوا عن بني عذرة ومجنون ليلى وغيره.
النوع الثاني من الكتب المؤلَّفة في العشق هو ما ألف أهل التصوف الذين يعتبرون محبة الجمال المخلوق مرحلة أولية في سلوك السالك يجب أن يرتقي منها إلى محبة خالق الجمال، ويسمون هذه المحبة محبة حقيقية أو عشقا حقيقيا وذلك الآخر عشقا مجازيا، ويستعملون عند البحث في المحبة والعشق اصطلاحات الصوفية من الشوق والسكر والوجد والفناء في المحبوب والاتحاد به، ويتحدثون عن مناسبة خفية بين العاشق والمعشوق، وربما ادعوا أن المخلوق الجميل مظهر الجمال المطلق الإلهي الذي هو عندهم صفة من صفات البارئ.
وكتاب "مشارق الأنوار القلوب ومفاتيح أسرار الغيوب" لابن الدباغ هو من كتب النوع الثاني، يقول ابن الدباغ "واعلم أن جوهر النفوس القدسية الإلهية كلها واحد، وإنما أوجب لها الكثرة اختلاف استعداد القوة الحيوانية التي في الجسم وتتفاوت لتفاوت مزاج الجسم في الاعتدال، إذ يوجد مزاج أتم اعتدالا من آخر، فأعطى الحق تعالى كل جسم نفسا تليق باستعداده الذي خلقه فيه من الكمال والنقص والقوة والضعف على ما جرت به سنة الله تعالى، كما أن جنس النور واحد بالجملة واحد فإنما يختلف بالشدة والضعف، فنور الشمس أقوى من نور القمر ونور القمر أقوى من نور الكواكب، وكذلك المياه جنسها واحد وإنما يتنوع بأمور عرضت لها زائدة على جوهر الماء من الحرارة والبرودة والعذوبة والملوحة والغلظ والرقة، فهذا هو سبب الخلاف العارض للنفوس في هذا العالم ولأجل هذا الاختلاف اختلفت العلوم والمعارف والإدراكات والأذواق ومنازل العارفين".
ويقول: "العارفون ينظرون إلى جمال الصنعة الإلهية فيتوصلون به إلى صورة الجمال المجرد ثم منه إلى عالم الجمال الكلي ثم إلى جمال الواهب للكل الذي كل جمال في العالم مستفاد منه بالغيبة عن أنفسهم في مشاهدته حتى لا يبقى فيهم منهم شيء، أولئك الذين اختارهم الحق تعالى واصطفاهم بمعرفته ومحبته ومن عدم هذا الذوق وحرم هذا الحظ فهو المغبون على الحقيقة".