العلاقات بين تركيا والسعودية تدخل مرحلة الشراكة

وزير الصناعة السعودي يؤكد أن الشراكة بين الرياض وأنقرة تشمل توطين صناعات ونقل تقنية وتدريب وتأهيل وبناء قدرات في مجال البحث والتطوير والابتكار.

أنقرة - أكد وزير الصناعة السعودي بندر بن إبراهيم الخريف أن العلاقات بين تركيا وبلاده دخلت بالفعل في مرحلة شراكة، كاشفا عن ثلاثة مسارات تدفع علاقات التجارة الثنائية والاستثمار في كلا البلدين إلى الأمام وعن فرص تعاون متعددة بينهما في القطاعات الصناعية.
وبدأ الخريف الاثنين، زيارة رسمية إلى تركيا تستمر 5 أيام يجري خلالها لقاءات في أنقرة وإسطنبول مع مسؤولين حكوميين، ورجال أعمال أتراك، لبحث الشراكة بين البلدين.
وذكر الوزير السعودي أن إستراتيجية المملكة في القطاع الصناعي تظهر أن قطاعاتها المستهدفة كالأمن الغذائي والصحي والعسكري، أو القطاعات الصناعية.. "جميعها نجد لها فرص تعاون في تركيا".
وتتضمن القطاعات كذلك تلك المرتبطة بصناعة الطائرات، أو صناعة الطاقة المتجددة، أو المرتبطة بالفضاء.
وتطرق أيضا إلى قطاع التعدين قائلا "التعدين وتوفير المعادن اليوم، يشكلان أبرز الهموم العالمية.. دعونا وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار، لزيارة المملكة والمشاركة في مؤتمر للتعدين سيقام في يناير/كانون الثاني المقبل بالسعودية".
والاثنين، قال وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي إنه وقّع مع الخريف مذكرة تفاهم تمهد الطريق للتعاون بين البلدين في مجال التعدين.
ويرى الخريف أن أحد القطاعات الهامة التي تشكل مساحة تعاون مع تركيا، يتمثل في "صناعة الطائرات والدفاع وتطوير الألمنيوم لهياكل الطائرات والتيتانيوم والكربون فايبر، اللازم لصناعات معينة".
وأوضح "تركيا مستورد كبير للمواد البتروكيماوية وبالإمكان العمل معهم لسد الحاجة في هذا القطاع والأمثلة الأخرى كثيرة، مثل صناعة السيارات، فالمملكة مقبلة على بناء قطاع صناعة السيارات الكهربائية.. نفس الأمر في تركيا التي تصنع بطاريات السيارات".
وتقع كل من السعودية وتركيا على أبرز طرق التجارة والملاحة عالميا بين الشرق والغرب، وسط امتلاك البلدين لمقومات متقدمة في الخدمات اللوجستية والنقل.
وعن ذلك يقول الخريف "بالفعل اليوم استراتيجيتنا للصناعة في المملكة أحد أهم مرتكزاتها هو الموقع الجغرافي.. نستهدف أن تكون المملكة منصة لوجستية عالمية، وأيضا قوة صناعية رائدة".
ورأى أن تركيا في الطرف الآخر من المعادلة، قادرة على المزيد من تعزيز قوتها باستغلال موقعها الجغرافي.. "إنها تقع بالقرب من أوروبا.. هناك فرص كبيرة جدا للتعاون المشترك في هذا المجال".
وفي وقت تعتبر تركيا مصدراً رئيسا للسلع إلى السعودية، تحدث الخريف عن ثلاث مسارات تدفع علاقات التجارة الثنائية والاستثمار إلى الأمام.
وقال الوزير السعودي أن أول هذه المسارات يتمثل في العلاقات المتميزة التي سمحت بوجود عقود كبيرة للمقاولين الأتراك في شتى المجالات داخل المملكة ومن أهمها القطاع العسكري.. نعمل معا للمساعدة على رفع مستوى المحتوى المحلي في المنتجات، لتستطيع الشركات التركية المنافسة في السوق السعودية".
وتابع أن "المسار الثاني يتمثل في وجود منتجات تركية المنشأ تحظى بسمعة جيدة في المملكة وحصة سوقية متزايدة.. هناك نقاشات مع هذه الشركات كي تبني قدرات داخل المملكة لتلبية الطلب المحلي".
بينما المسار الثالث يشمل "مصانع المستقبل كجزء من استراتيجيتنا الصناعية، عبر إدخال التقنيات الحديثة في الصناعة وبناء قاعدة صناعية مبنية على الثورة الصناعية الرابعة، كاستخدامات الذكاء الاصطناعي.. تركيا لديها حلول مناسبة في هذه المسارات".
ويشدد الوزير السعودي على أن علاقة بلاده مع تركيا "أكبر من علاقة مورد مع زبون".. "إنها شراكة تشمل توطين صناعات ونقل تقنية وتدريب وتأهيل، وبناء قدرات في مجال البحث والتطوير والابتكار".
وضرب مثالا قطاع الصناعات العسكرية، الذي وضع تركيا في مكانة متقدمة عالميا بعد استثمار في القطاع لأكثر من 50 عاما، وفق الخريف.

 أنقرة والرياض تعززان التعاون في مجالات عديدة
أنقرة والرياض تعززان التعاون في مجالات عديدة

وأكد أن بلاده تعمل "الآن على نقل الكثير من القدرات والبناء عليها لأن المملكة أيضا لديها القدرة على أن تبدأ في تطوير منتجات جديدة، بناء على احتياجات السوق.. لذلك الشراكة ستكون هي الأساس".
وكثفت السعودية خطوات التحول الاقتصادي بعيدا عن مصدر الدخل الرئيس، المتمثل في النفط الخام، وأطلقت "رؤية 2030" الهادفة إلى بناء اقتصاد متنوع.
وعن ذلك يقول الخريف "منذ إطلاق رؤية المملكة 2030 زاد عدد المصانع بواقع 50 بالمئة عن الفترة السابقة والتمويل الذي تم في السنوات السبع الماضية في القطاع الصناعي يعادل ما تم تمويله في ذات القطاع خلال 35 عاما السابقة".
وزاد "الاستثمارات التي وضعت في البنية التحتية بالمدن الصناعية وفي الموانئ والخدمات اللوجستية وأيضا في البنية التحتية الرقمية، جعلت من المملكة بيئة سهلة في تبني الثورة الصناعية الرابعة".
ولفت الخريف إلى أن "هناك جانب آخر أكثر أهمية وهو أن الطلب المحلي في المملكة يزداد كجزء من النمو الذي يحدث في قطاعات مثل قطاع الإسكان والبنية التحتية والقطاعات المرتبطة بالمشاريع الكبرى والقطاعات الجديدة كالسياحة.. هذه جميعها تخلق فرصا للاستثمار".
ولم يغفل الوزير السعودي الإشارة إلى التشريعات التي تم وضعها للمحتوى المحلي ومتطلباته في المشتريات الحكومية والتي أصبحت تطبق على الشركات المملوكة للدولة، مضيفا "هذا بعث اطمئنانا للمستثمر بأن استثماراته الصناعية في المملكة، ستكون قادرة على اقتناص الفرص".
وفي عام 2020 أطلقت المملكة برنامج "صنع في السعودية" والذي نجح في رفع الوعي لدى المستهلك السعودي واهتمامه بالمنتج المحلي.. "لكن الأهم هو التصدير وما وجدناه من خلال هذا البرنامج أن سمعة منتجنا في العالم ممتازة"، بحسب الخريف.
وأضاف الوزير السعودي"اليوم هناك شركات لها سمعة كبيرة، مثل شركة المراعي وسابك والمعادن.. لدينا قاعدة صناعية قوية لشركات كبرى نستطيع أن نبني عليها صناعات أخرى، بحيث يكون الانطباع العام عن المنتج السعودي، أنه ذو جودة وبسعر منافس".

وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أعلنت السعودية عن خطة لجذب 32 مليار دولار من الاستثمارات الجديدة في قطاع التعدين وإنتاج المعادن عبر 9 مشاريع مختلفة، مستفيدة من النمو المتوقع لإنتاج المعادن عالمياً بنحو 500 في المئة حتى عام 2050.
وفي فبراير/شباط الماضي كشفت وزارة الصناعة والثروة المعدنية السعودية أن عدد المجمعات التعدينية في المملكة وصل حتى نهاية 2022 إلى 377 مجمعا.
وتتوزع المجمعات التعدينية من حيث نوع المعادن على أكثر من 20 معدنا مختلفا، من بينها البحص، والذهب، والحديد، والنحاس، والجرانيت، والرخام، والنيكل، والزنك.
ويقول الخريف "قطاع التعدين واعد في المملكة ويحتاج لاستثمار في المسح الجيولوجي لكامل الدرع العربي.. أطلقنا عددا كبيرا من المشاريع للاكتشاف، وبدأنا نحصل على نتائج كبيرة".
وتابع "نعمل مع المستثمرين الحاليين على حل الكثير من التحديات.. نظام الاستثمار الذي أطلقناه في 2020، دخل حيز التنفيذ، وأصبحنا نوفر رخص الاستثمار في التعدين في مدد قياسية على مستوى العالم".
وختم قائلا "أيضا أطلقنا مؤتمر مستقبل المعادن في نسختين سابقتين.. اليوم يعتبر المؤتمر الأول على مستوى العالم في هذا التخصص، الذي يجمع الحكومات وشركات تعدينية وشركات تمويل ومؤسسات علمية في الرياض".
وتعكس الزيارات الرسمية المتبادلة بين مسؤولين أتراك وسعوديين مرحلة جديدة ومتقدمة من التعاون الاقتصادي والتجاري، في وقت تلتقي المصالح الاقتصادي للبلدين العضوين في مجموعة العشرين.