العلوم والرياضيات: حراك عالمي.. وتقصير عربي

ثمةً حراك عالمي متزايد، وبخاصة في الدول المتقدمة، نحو الإهتمام بمجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، والتي تعرف إختصاراً بـ "ستيم" STEM، وهي الحروف الأولى من Science, Technology, Engineering and Mathematics، وهذه المجالات سوف تحدث ثورة في العالم في الحاضر والمستقبل، فمن خلالها سيتم تقديم العديد من الإبتكارات التي تقدم حلولاً لمعالجة العديد من التحديات العالمية مثل الأمن الغذائي، والتغير المناخي، والبكتيريا والجراثيم المقاومة للمضادات الحيوية، وغيرها. فالإبتكار يؤدي الى عمليات ومنتجات جديدة تدعم الإقتصاد العالمي، وهذه المجالات ترتبط إرتباطاً وثيقاً بالإبتكار والقدرة التنافسية لأي دولة، ومن ثم تحقيق الإزدهار الإقتصادي.

لهذا ليس غريباً أو مفاجئاً أن ينال تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، إهتماماً متزايداً وأولوية قصوى بالنسبة للعديد من الحكومات حول العالم.

على سبيل المثال، في 26 يونيو/حزيران الماضي 2014، أصدرت الجمعية الملكية البريطانية، تقريراً بعنوان "رؤية لتعليم العلوم والرياضيات"، على الرابط الإلكتروني:

https://royalsociety.org/~/media/education/policy/vision/reports/vision-full- report-20140625.pdf

يشير التقرير الى أن بريطانيا سوف تفقد مكانتها العلمية ذات الشهرة العالمية، إذا لم تشجع المزيد من الطلبة على دراسة مجالات "ستيم". ويستند التقرير على طريقتين لعلاج ذلك هما: رفع المستوى العام للمعرفة العلمية والرياضية لجميع الأفراد؛ وضمان ربط النظام التعليمي بالإحتياجات الحالية والمستقبلية للإقتصاد. وأوصى التقرير بأنه ينبغي على جميع الطلبة دراسة العلوم والرياضيات حتى سن 18 عاماً، كجزء من منهج جديد واسع ومتوازن، وذلك لضمان أن ينهي الشباب مرحلة التعليم ولديهم المهارات العلمية والرياضية الصحيحة التي تؤهلهم لسوق العمل والنجاح في الحياة. كما أشار التقرير الى أن هناك حاجة ماسة من قبل أرباب العمل في بريطانيا للمهارات المكتسبة في مجال العلوم.

ومن بين متطلبات إعداد شباب اليوم لشغل وظائف علوم وتكنولوجيا الغد، توافر معلمين أكفاء من الدرجة الأولى، وكذلك مناهج وموضوعات ودورات جديدة متطورة في العلوم والرياضيات تتصف بالتحدي والإثارة وتستحوذ على الإهتمام، ذلك لأن مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، تعمل على تنمية مهارة التفكير النقدي وزيادة التنور العلمي Scientific literacy، والمساعدة على بناء الجيل القادم من المبتكرين، لشغل الوظائف التي يحتاج اليها أصحاب العمل الذين يستخدمون العلوم والرياضيات. فقد أشارت دراسة صادرة عن معهد بروكنغز في واشنطن، في الأول من شهر يوليو الجاري، على الرابط الإلكتروني:

http://www.brookings.edu/research/interactives/2014/job-vacancies-and- stem-skills#/M10420

الى أن هناك نقص في الوظائف المرتبطة بمجالات "ستيم" في الولايات المتحدة. فالوظائف المعلن عنها والمرتبطة بهذه المجالات، تستغرق وقتاً أطول لشغلها من المجالات الأخرى، إذ تأخذ مدة طويلة في الإعلان عنها. والوظائف التي تتطلب درجة الدكتوراه، مثلا، في مجالات "ستيم"، يتم الإعلان عنها في المتوسط لمدة 50 يوماً بالمقارنة بمدة 33 يوماً للوظائف الأخرى التي لا تشمل هذه المجالات. كما أن المهارات النوعية العالية القيمة المطلوبة من قبل أصحاب العمل والمرتبطة بمجالات "ستيم"، كانت شحيحة وتمثل قيمة خاصة لأصحاب العمل. وطالبت الدراسة مجتمع الأعمال التكنولوجية وأعضاء الكونغرس الأميركي بالحاجة الى مزيد من الأعمال والوظائف المرتبطة بمجالات "ستيم"، حتى تظل أميركا قادرة على المنافسة في السوق العالمية.

ويذكر أن الرئيس الأميركي أوباما، يحرص على الإحتفاء بالمخترعين الشباب في معرض العلوم السنوي في البيت الأبيض، وذلك كجزء من حملته "بعنوان "التعليم للإبتكار" Educate to Innovate، التي تهدف الى إلهام الفتيان والفتيات للتفوق في العلوم والرياضيات، وبث وتعزيز الحماس وتشجيع الإقبال على دراسة العلوم والرياضيات، كما يؤكد دائماً على أن التعليم والإبتكار هو المسار الذي يؤدي الى إزدهار مستقبل أميركا الإقتصادي. ويذكر أيضاً أنه لدعم الاقتصاد الوطني الأميركي وإثراء قطاع العمل في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، من حيث تعزيز الابتكار والمنافسة، تعمل الولايات المتحدة، على جذب وتشجيع أفضل الطلبة الأجانب المتفوقين دراسيا والأكثر ذكاء، على الدراسة والإقامة في أميركا.

كما أن الصين تعد حالياً من الدول الرائدة في الإهتمام بمجالات "ستيم"، فقد ارتفع عدد الطلبة الصينيين الحاصلين على درجات علمية في هذه المجالات، حيث كشفت دراسة نشرت في الأول من يوليو الجاري بمجلة "وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم الأميركية"، عن أنه خلال العقود الثلاثة الماضية أصبحت الصين مساهماً رئيسياً في العلوم والتكنولوجيا، فهي الآن توظف أعداداً كبيرة ومتزايدة من القوى العاملة من العلماء والمهندسين، ويحصلون على رواتب عالية نسبياً، كما أن الحاصلين على درجات في العلوم والهندسة يفوق الولايات المتحدة،على جميع المستويات وبخاصة درجة البكالوريوس، كما أن الإنفاق على البحوث والتطوير في الصين في إرتفاع مستمر.

ولعل السؤال المهم المطروح هنا هو: أين عالمنا العربي من كل هذا الحراك العالمي المرتبط بمجالات "ستيم"؟

لا شك أن هناك جهوداً متنامية في عالمنا العربي نحو الإهتمام بمجالات "ستيم"، ولكنها لا ترقى لمستوى التحديات والتطورات العلمية والتكنولوجية العالمية الحالية المتسارعة، التي تتطلب ضرورة الإسراع نحو الإهتمام بإعداد خطط ورؤى وإستراتيجيات ومبادرات جديدة تنهض بمجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، التي تشهد عزوفاً في الإقبال على دراستها والإهتمام بها، بحيث تركز على جودتها ومتطلبات الإقتصاد المعرفي.

إن تعزيز الإهتمام بمجالات "ستيم"، سوف يكون الدافع وراء النمو الإقتصادي في القرن الحادي والعشرين، الذي يتصف بسيادة ثقافة العلوم والتكنولوجيا التي تعمل على توليد الأفكار وترجمتها الى منتجات وخدمات مبتكرة، وذلك من خلال زيادة أعداد وكفاءة الطلبة في المهن المرتبطة بهذه المجالات، والتي تعد من بين المهن الأعلى أجراً والأسرع نمواً والأكثر تأثيراً في دفع عجلة النمو الإقتصادي والإبتكار.

مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات هي أساس قوي للنجاح الإقتصادي للأفراد والمجتمعات، نأمل أن تنال إهتماماً متزايداً في عالمنا العربي، لإعداد شبابنا بأفضل طريقة ممكنة لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، ويجب أن يصبح الإهتمام بها قضية مجتمعية ملحة، تشغل بال الجميع، وليس فقط الوزارات والهيئات والمؤسسات المعنية، وذلك حرصاً على حاضر ومستقبل أجيالنا وأمتنا العربية.