الفنون الإسلامية، سطوع خالد على مر العصور

كتاب "الفنون الإسلامية" لمؤلفه م. س. ديماند يعد مرجعاً عاماً ومهماً لتناوله تاريخ كل فن وشرحه لطرق الصناعة فيه وتطور أساليبه الفنية.
من إسبانيا إلى الهند، الفن الإسلامي يزين أعناق الأمكنة
الفنون الإسلامية واكبت تطور المراحل التاريخية للدول والحضارات
الفنون العالمية الحديثة استقت من الأصل وطورته واستندت إليه

القاهرة - من حازم خالد
يُطبق تعبير "فن الإسلام" أو "الفن الإسلامي" على الإنتاج الفني الذي وقع منذ هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم عام 622 ميلادي، وحتى القرن التاسع عشر في منطقة تمتد من إسبانيا إلى الهند التي يسكنها فئات من الثقافة الإسلامية، كما تميز الفنّ الإسلامي بأنه لا يُركّز على الدين فقط، إنما يُعتبر فنّاً حضاريّاً مُتكاملاً.
وقد ظهرت الطبعة الأولى لكتاب "الفنون الإسلامية" لمؤلفه م. س. ديماند في سنة 1930، تحت اسم "كتاب في الفنون الزخرفية الإسلامية"، ولكن المؤلف قد أعاد النظر في كتابه، إعادة شاملة، وأضاف إليه إضافات كثيرة، وصحح ما اقتضت البحوث العلمية الحديثة تصحيحه، وأخرجه في سنة 1947 إخراجاً جديداً. وقد قصد المؤلف أول ما قصد أن يضع بين يدي المترددين على متحف المتروبوليتان دليلا واضحاً لروائع الفن الإسلامي فيه. وهذا هو الطابع الظاهر لهذا الكتاب، فجميع الصور المنشورة فيه هي صور تحف محفوظة في هذا المتحف، وليس بينهما صورة واحدة لتحفة من روائع الفنون الإسلامية في غيره من المتاحف أو المجموعات الخاصة.
وكتاب "الفنون الإسلامية" في طبعته العربية الجديدة عن "وكالة الصحافة العربية – ناشرون"، ترجمة: أحمد محمـد عيسى، وقام بمراجعة وتقديم الطبعة الجديدة د. محمد عبدالعزيز، ويقع في نحو 476 صفحة من القطع الكبير، مزودة بالصور والمراجع .
ولا تكاد تمر صفحة واحدة من هذا الكتاب دون أن يشير المؤلف فيها إلى تحفة من تحف المتحف ذاته. ولا شك في أن هذا الطابع ميزة من ميزات الكتاب، لا عيباً فيه، إذ أنه بهذه الصورة، دليل كامل شامل، لا من حيث محتويات المتحف، ولكن من حيث عرض روائعه وشرح نواحيها الفنية. والزائر لمتحف المتروبوليتان، إذا قرأ هذا الكتاب، يستطيع أن يتذوق جميع نواحي الإبداع التي تفيض من تحفه، ويحيط بعصورها وتاريخها. فالكتاب من هذه الناحية فريد من نوعه، جليل الفائدة.

الفنون الاسلامية
أول طبعة صدرت عام 1930

غير أن هذا الكتاب لا يقتصر على كونه دليلا لمتحف بذاته، فهو بحق دليل لجميع متاحف الفنون الإسلامية. وقد نجح المؤلف في أن يجعل منه مرجعاً عاماً، ومهماً في الوقت نفسه، لهذه الفنون. فهو يسرد تاريخ كل فن من هذه الفنون، ويشرح طرق الصناعة فيه، وتطور أساليبه الفنية.
مراحل تاريخية
لقد مرّ تاريخ الفنّ الإسلامي بكثير من المراحل التاريخيّة، من القرن السابع إلى القرن التاسع الميلادي تمثّل هذا القرن في فترة حكم الرسول محمد، ويعدّ بيته أوّل مبنى إسلامي، كما يُعتبر أوّل مكان تجمّع فيه المسلمون للصلاة، وفي هذه الفترة وضع النموذج الأول لبناء المسجد، وكان يتكوّن من قاعة فيها عدد من الأعمدة وفناء، حيث بُني المكان من الطين والخشب، وكان الفنّ الإسلامي لا يتميّز عن الفنون البيزنطيّة، والفنون الساسانيّة.
أمّا الفنّ الإسلامي في فترة الحكم الأموي فتطوّر، وذلك بسبب إدخال مفاهيم جديدة، وذلك كان واضحاً في بناء مسجد قبّة الصخرة في مدينة القدس، والذي يُعدّ من أهمّ المباني في الفنّ الإسلامي، وكان بناؤه مُتأثراً بالفنّ البيزنطي وخصوصاً الفسيفساء وسطحه، كما كانت القلاع الصحراويّة في فلسطين نموذجاً من العمارة العسكريّة والمدنيّة في العصر الأموي، وأيضاً الحرف اليدويّة المتمثلة في الخزف، والمعادن، وصنع الأثاث.
وتجلّى الفنّ الإسلامي في العصر العباسي في بناء العواصم، وذلك في بناء المدينة على شكل مدور، وبناء المسجد في وسطها، وصنع الأثاث من الجص الذي ساهم في نقش الزخارف، كما أنّ فنّ الخزف، والفخار ابتكارين واضحين في العصر العباسي، ويعدّ مسجد القيروان الكبير من المعالم البارزة في هذا العصر.
وتمثَّل الفن الإسلامي بالقرن التاسع إلى القرن الخامس عشر في المغرب وإسبانيا بالفنّ المعماري الخاص بهم بأشكال الأقواس النصف دائريّة المستوحاة من النماذج القوطيّة والنماذج الرومانيّة، وظهر ذلك في بناء الجامع الكبير في مدينة قرطبة، ومسجد باب الردوم، ومدينة الزهراء، وقصر الحمراء، كما استعملوا العاج في صنع الصناديق، وعلب المجوهرات المنقوشة، كما صنعت التماثيل الثلاثيّة الأبعاد، وصنعت الأقمشة الحريريّة، والخزف، والأغراض المصنوعة من الخشب المنحوت والمدهون، كما يُعتبر منبر مسجد الكتيبة مثال على ذلك، وامتلكت البلاد ثقافة واسعة، مثل الجامعات الكبرى التي قامت بتعليم الفلسفة والعلوم المتنوعة.

مرّ تاريخ الفنّ الإسلامي بكثير من المراحل التاريخيّة، من القرن السابع إلى القرن التاسع الميلادي تمثّل هذا القرن في فترة حكم الرسول محمد، ويعدّ بيته أوّل مبنى إسلامي

ونجد فنّ العمارة الإسلاميّة بالمغرب واضحاً في بناء المساجد، ولكن تم تدمير عدد كبير من الآثار والتحف الإسلامية بسبب ما مرّت به المغرب من حروب، ودمار للفنّ الإسلامي؛ أما في سوريا ومصر فكانت الدولتان تحت حُكم السلالة الفاطميّة التي أعطت هذا العصر أهميّة كبيرة لفنّ العمارة، حيث كانوا يشتهرون في صناعة التحف الخشبيّة، والعاجيّة، والخزفيّة اللامعة والمدهونة، وصناعة المعادن المُطعمة، وصناعة الصياغة، وتشكيل الزجاج، وأيضاً تمثل فنهم في نقش وتمثيل الرسوم المُتحركة، مثل عيون الحشرات، كما قاموا بالنحت ثلاثي الأبعاد، واستعمال البرونز، ثمّ بعد فترة من الزمن ظهر فنّ الزجاج المطلي، وظهرت عمارة الحجر المزخرف، وتنوع ألوانه، وصناعة الدلو الذي يتميز بيده النحاسيّة، وكان الدلو من أشهر الآثار في هذا العصر.
أما عن الفنّ الإسلامي في آسيا الصغرى وإيران فكان أكثر حضوراً، لأن كل دولة تُحاول أن تُثبت نفسها بفنها، فقد تم إنشاء مُدن كُبرى مثل غزنة، ونيسابور، والجامع الكبير في مدينة أصفهان، كما شهدت العمارة الجنائزيّة تطوّراً كبيراً، وصنع الكثير من القطع الفنيّة المزخرفة والمزينة، وتكونها من الزجاج المطلي بعدة ألوان، والمدهونة، أما السلاجقة فلقد استخدموا العجائن في عمل حجر الصوان، وقاموا بتطعيم المعادن الثقيلة.
أما عن الفنّ الإسلامي في حكم الإيلخانيين؛ وهم الذين خضعوا لإمبراطور يوان، والتي استقلت بعد فترة، وعملت على تطوير حضارتها، وكان فنّهم مستوحى من البدو، وكانت أعظم آثارهم هو قبر محمد أولجايتو.
أما عن الفنّ الإسلامي بالنسبة إلى القبيلة الذهبيّة فقد كان فنّهم ظاهراً وبارزاً، وقد كانت حرفة الصياغة المستوحاة من الحضارة الصينيّة متطوّرة كثيراً، وصناعة القطع الفنيّة رائعة، وأكثر الفنون التي ظهرت في هذا العصر فن الكتاب الفارسي، وسميّ فنّهم بالعصر الذهبي، ويظهر ذلك في آثار مدينة سمرقند، والديكورات الخزفيّة، والقبب المقرنصة.

الفنون الإسلامية، سطوع خالد على مر العصور
تاج محل في الهند يبوح بتاريخ الفن الإسلامي

وهناك الفنّ الإسلامي في الأناضول؛ وهو الذي كان ذا هندسة معماريّة مستوحاة من الأنماط الإيرانيّة، وكان نصيب الخشب أكثر في فنهم، ومثال على فنهم المعماري مسجد تبريز الأزرق، والقباب، واستعمال الخزف.. وأيضاً نجد الفنّ الإسلامي في الهند؛ حيث كان فنّ عمارتهم الإسلاميّة الخاص بالبناء مستوحى من الفنّ الهندوسي.
ونجد أيضاً في القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر وهو عصر الإمبراطوريات الثلاث: العثمانيون؛ فلقد كانت هذه الإمبراطوريّة مُتميّزة كثيراً بالفنّ، فقد عملت على تطوير كبير في فنّ العمارة، وإنتاج الكثير من الخزف، وكان الرسم الفني للمساجد سمة مُتميّزة وكان مُستوحي من تخطيط كاتدرائية آيا صوفيا، واستعمل العثمانيون اللون الأحمر الفاتح في صناعة الخزف.
وهناك أيضاً المغول حيث كانت آثار الفن الإسلامي واضحة في تاج محل الذي يُعد أهم آثار هذا العصر، كما كان لفنّ الصياغة، والحجارة دور بارز وكبير في هذا العصر، كما ظهر فن النحت على العاج، كما اشتهروا بفنّ الخزف، والعجائن الملونة، والخزف الصيني، وفنّ الكتاب، وصناعة السجاد، وفنّ العمارة من ناحية المساجد، والحدائق.
مؤلف كتاب "الفنون الإسلامية" الدكتور م.س. ديماند، عالم من كبار العلماء القليلين المتخصصين في تاريخ الفنون الإسلامية، وحجة راسخة في نواحيها المختلفة، وقد كتب عنها بحوثاً عديدة، وترتكز دراساته على رحلاته وتجاربه في الفنون الإسلامية منذ ثلاثين سنة، وخاصة على صلته بمتحف المتروبوليتان في نيويورك، الذي شغل فيه منذ أكثر من ربع قرن، وظيفة أمين مجموعات الشرق الأدنى. (وكالة الصحافة العربية)