الفن والثقافة يبطئان الشيخوخة

دراسة حديثة تكشف أن القراءة والموسيقى والرسم وزيارة المعارض الثقافية تقوي الروابط العصبية وتؤخر مظاهر التقدم في العمر.

لندن ـ  كشفت دراسة علمية حديثة عن وجود ارتباط لافت بين المواظبة على الأنشطة الثقافية والفنية وبين تباطؤ مؤشرات التقدم البيولوجي في العمر، حتى عند ممارستها بصورة متقطعة خلال العام، ما يدعم الفرضيات العلمية التي تشير إلى أن نمط الحياة لا يؤثر فقط في الحالة النفسية والبدنية، بل يمتد تأثيره إلى صحة الخلايا وآليات الشيخوخة داخل الجسم.

وبحسب ما نشرته مجلة 'الابتكار في الشيخوخة' العلمية، الصادرة عن دار النشر الأكاديمية 'أوكسفورد أكاديمك'، فقد اعتمدت الدراسة على تحليل بيانات ما يقارب 3500 شخص بالغ ضمن مشروع بحثي موسّع، شارك فيه فريق دولي من الباحثين، من بينهم مختصون في 'جامعة كلية لندن'.

وركّزت الدراسة على قياس ما يُعرف بالعمر البيولوجي، وهو العمر المرتبط بالحالة الفعلية للخلايا والأنسجة، وليس العمر الزمني المرتبط بعدد سنوات الحياة.

واعتمد الباحثون على مؤشرات لاجينية دقيقة مرتبطة بأنماط الميثيلة على الحمض النووي، تُستخدم لقياس معدل التغيرات الجزيئية المرتبطة بالشيخ وخة داخل الجسم، إذ تبيّن أن بعض الأشخاص يتمتعون بعمر بيولوجي أصغر من أعمارهم الحقيقية نتيجة اتباعهم أنماط حياة صحية ومتوازنة، بينما يتقدم آخرون بيولوجيابوتيرة أسرع بسبب التوتر المزمن والعادات غير الصحية.

وأظهرت نتائج الدراسة ارتباطا إحصائيا بين المشاركة في الأنشطة الثقافية والفنية وتباطؤ مؤشرات الشيخوخة البيولوجية؛ إذ سجّل الأشخاص الذين شاركوا في هذه الأنشطة بمعدل ثلاث مرات تقريباً خلال العام تباطؤا في تلك المؤشرات بنسبة تقارب 2 بالمئة.

وارتفعت النسبة إلى نحو 3 بالمئة لدى من مارسوها بصورة شهرية، فيما وصلت إلى قرابة 4 بالمئة عند الأشخاص الذين واظبوا عليها أسبوعيا، وذلك بعد مراعاة عوامل صحية واجتماعية متعددة مثل مستوى الدخل والوزن والتدخين والحالة الصحية العامة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه النتائج تُثبت ارتباطاً إحصائياً لا علاقة سببية مباشرة.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تعكس التأثير العميق للأنشطة الإبداعية والثقافية على صحة الإنسان النفسية والعصبية، إذ يمكن لممارسة الف أو القراءة أو الموسيقى أن تخفف من مستويات التوتر النفسي والضغط العصبي، وهما من أبرز العوامل التي تسرّع التقدم البيولوجي في العمر. فالإجهاد المزمن يؤدي إلى زيادة الالتهابات داخل الجسم ويرفع من إفراز هرمونات التوتر، الأمر الذي يؤثر سلباً في الخلايا ووظائفها الحيوية مع مرور الوقت.

وأوضح فريق الدراسة أن الأنشطة الثقافية لا تقتصر فوائدها على الترفيه أو تمضية الوقت، بل تسهم أيضا في تحفيز الدماغ وتنشيط مناطق متعددة مسؤولة عن الذاكرة والتركيز والإبداع والتفكير التحليلي. كما تساعد هذه الأنشطة على تعزيز الروابط العصبية بين خلايا الدماغ، ما قد يساهم في مقاومة التدهور المعرفي المرتبط بالتقدم في العمر.

وبيّنت الدراسة أن أنشطة بسيطة مثل القراءة اليومية، أو الاستماع إلى الموسيقى، أو الرسم، أو حضور العروض المسرحية، أو زيارة المعارض والمتاحف، يمكن أن تحقق أثراً إيجابياً واضحاً عند ممارستها بصورة منتظمة. كما أشار الباحثون إلى أن المشاركة الاجتماعية المصاحبة للأنشطة الثقافية تلعب دوراً إضافياً في دعم الصحة النفسية وتقليل الشعور بالعزلة، خاصة لدى الأشخاص في منتصف العمر وكبار السن.

ولفت الباحثون إلى أن الفوائد تصبح أكثر أهمية بعد سن الأربعين، وهي المرحلة التي تبدأ فيها بعض التغيرات البيولوجية المرتبطة بالتقدم في العمر بالظهور بصورة تدريجية. لذلك، فإن دمج النشاط الثقافي والفني ضمن الروتين الأسبوعي قد يشكّل وسيلة عملية وغير مكلفة نسبياً للحفاظ على التوازن النفسي والعقلي والجسدي.

ومع ذلك، شدّد فريق الدراسة على أن الأنشطة الثقافية وحدها ليست كافية للحفاظ على صحة الخلايا، بل يجب أن تكون جزءاً من نمط حياة متكامل يشمل النوم الجيد والتغذية المتوازنة والنشاط البدني المنتظم والابتعاد عن التدخين والتوتر المزمن. فهذه العوامل مجتمعة تعمل على تعزيز قدرة الجسم على مقاومة الالتهابات والحفاظ على كفاءة الأعضاء والخلايا لفترة أطول.

ويرى باحثون مختصون أن نتائج هذه الدراسة تفتح الباب أمام مزيد من الأبحاث المتعلقة بتأثير نمط الحياة في الشيخوخة البيولوجية، خاصة مع تزايد الاهتمام العالمي بالوسائل الطبيعية التي تساعد الإنسان على التمتع بصحة أفضل وجودة حياة أعلى مع التقدم في العمر. كما قد تسهم هذه النتائج مستقبلاً في تشجيع المؤسسات الصحية والثقافية على إطلاق برامج تجمع بين الترفيه والفنون والرعاية الصحية، بهدف تحسين الصحة العامة والحد من الآثار السلبية للشيخوخة.