الفن يحيي شوارع القاهرة

القاهرة تعيد اكتشاف نفسها من جديد عبر شارع الفن الذي يمزج بين التراث والفنون الحديثة في قلب العاصمة التاريخية.

القاهرة ـ شهدت العاصمة المصرية مؤخرا مشروحا غنيا تحت عنوان 'شارع الفن' في منطقة وسط البلد بالقاهرة، ليعكس توجها جديدا نحو إعادة إحياء الفضاءات العامة وتحويلها إلى منصات إبداعية مفتوحة تجمع بين الفنون المختلفة والجمهور في تجربة ثقافية مباشرة وغير تقليدية.

ويأتي هذا المشروع ضمن مبادرة تنفذها محافظة القاهرة بالتعاون مع أكاديمية الفنون التابعة لوزارة الثقافة المصرية، في إطار بروتوكول تعاون مشترك تم توقيعه تحت عنوان “استراتيجية جسور الإبداع”، بهدف تعزيز الحضور الفني في قلب العاصمة وإعادة تشكيل العلاقة بين المدينة وسكانها من خلال الفن.

ويهدف المشروع إلى تحويل الشوارع الحيوية إلى مسارح مفتوحة تستضيف عروضا فنية وثقافية متنوعة، بما يسهم في تنشيط الحياة الثقافية في وسط القاهرة التاريخي، وإعادة الاعتبار للمنطقة باعتبارها مركزًا للإبداع المصري والعربي.

وانطلقت الفعاليات بالفعل في منطقة مثلث البورصة وشارع الشريفين، حيث شهدت الشوارع عروضًا مباشرة جذبت المارة والجمهور من مختلف الأعمار، في مشهد أعاد الحياة إلى قلب المدينة القديمة.

وبحسب ما نقلته بوابة الأهرام، فإن المشروع لا يقتصر على نوع واحد من الفنون، بل يقدم تنوعًا واسعًا يشمل الرسم الحي أمام الجمهور، والعزف الموسيقي، والغناء، وعروض الباليه، وفنون العرائس، وفن الكاريكاتير، إضافة إلى عروض الفنون التراثية المصرية، إلى جانب مشاركة فرق فنية تقدم أنماطا عالمية تعكس التنوع الثقافي وتفتح المجال أمام التبادل الفني بين المدارس الإبداعية المختلفة.

ويُنظر إلى هذا التنوع باعتباره عنصرا أساسيا في جذب الجمهور وتعزيز التفاعل المباشر بين الفنانين والمجتمع.

كما يتضمن المشروع إطلاق مبادرة 'كشك الموسيقى والفنون' داخل الحدائق والمتنزهات العامة، وهي منصة صغيرة مخصصة لدعم المواهب الشابة واكتشاف المبدعين الجدد في مجالات الغناء والعزف والفنون البصرية.

وتهدف هذه الأكشاك إلى توفير بيئة تدريبية وتطبيقية للفنانين الناشئين، مع ربطهم بمركز متخصص للدعم الفني والتقني يساعدهم على تطوير مهاراتهم وتأهيلهم لسوق العمل الفني، وفقًا لما ورد في موقع اليوم السابع. ويعد هذا الجانب من المشروع خطوة مهمة نحو دمج التعليم الفني بالتجربة العملية في الفضاء العام.

وفي إطار التطوير العمراني المصاحب للمشروع، يشمل 'شارع الفن' خطة لإعادة تأهيل شارع الشريفين وتحويله إلى ممر مخصص للمشاة، مع تنفيذ أعمال ترميم لواجهات المباني التاريخية، وتحديث البنية التحتية بما يتناسب مع الطابع الثقافي للمنطقة. كما تستهدف المرحلة المقبلة تطوير ممر القاضي الفاضل والمناطق المحيطة به، ضمن خطة أشمل لإعادة إحياء وسط القاهرة التاريخي وتحويله إلى منطقة نابضة بالحياة الثقافية والسياحية.

ويأتي هذا التوجه في سياق عالمي متنامٍ يركز على إعادة توظيف الفضاءات العامة في المدن الكبرى لخدمة الفنون والثقافة، حيث لم يعد الشارع مجرد مساحة عبور، بل أصبح منصة للتعبير الإبداعي والتفاعل الاجتماعي.

وتستلهم القاهرة في هذا المشروع تجارب دولية ناجحة أثبتت فاعلية هذا النموذج في تعزيز الحياة الثقافية داخل المدن.

ففي اسكتلندا، يُعد مهرجان 'دنبرة فرينج' من أبرز النماذج العالمية، حيث تُخصص شوارع مدينة إدنبرة التاريخية منذ عام 1947 للعروض المسرحية والموسيقية والفنية الحرة، ما يجعل المدينة واحدة من أهم العواصم الثقافية في العالم خلال فترة المهرجان.

وقد أسهم هذا النموذج في تحويل الشوارع إلى مساحات مفتوحة للإبداع دون قيود تقليدية للمسارح المغلقة.

وفي الولايات المتحدة، أطلقت مدينة نيويورك عام 2008 مبادرة 'شوارع الصيف'، التي يتم خلالها إغلاق عدد من الشوارع أمام حركة السيارات وفتحها أمام الأنشطة الفنية والرياضية والثقافية، بما يتيح للسكان والزوار التفاعل مع المدينة بطريقة أكثر إنسانية وارتباطًا بالمجال العام.

أما في فرنسا، فقد حافظت العاصمة باريس منذ خمسينيات القرن الماضي على الطابع الإبداعي لساحة 'دو تيرتر' في حي مونمارتر، من خلال منح تراخيص رسم حي للفنانين التشكيليين الذين يعرضون أعمالهم مباشرة أمام الزوار والسياح، ما جعل الساحة واحدة من أهم النقاط الفنية في المدينة وأكثرها جذبا للفنانين من مختلف أنحاء العالم.

وفي العالم العربي، برزت تجربة 'شارع الفن' في مدينة أبها بالمملكة العربية السعودية منذ عام 2008 كمركز مفتوح للفنون البصرية والموسيقى، حيث تحولت بعض شوارع المدينة إلى معرض دائم في الهواء الطلق، يجمع بين الفنانين التشكيليين والموسيقيين والمجتمع المحلي، في تجربة لاقت صدى واسعًا وأسهمت في دعم الحراك الثقافي في المنطقة.

كما تتقاطع هذه التجارب مع مبادرات عالمية أخرى مثل مشروع 'سيسلوفيا' في كولومبيا، الذي يعتمد على تحويل الطرق العامة إلى مساحات خالية من السيارات في أيام محددة، لتصبح منصات للأنشطة الثقافية والرياضية والاجتماعية، وهو نموذج انتشر لاحقًا في العديد من المدن حول العالم.

ويعكس مشروع 'شارع الفن' في القاهرة رغبة واضحة في إعادة تعريف العلاقة بين المدينة وسكانها، من خلال تحويل الشارع إلى مساحة حية للتفاعل والإبداع، بدلا من كونه مجرد ممر للحركة اليومية. كما يفتح الباب أمام دمج الفن في الحياة اليومية للمواطنين، ويعزز من فرص اكتشاف المواهب الشابة وتقديمها للجمهور بشكل مباشر.

وبذلك، لا يقتصر المشروع على كونه فعالية ثقافية مؤقتة، بل يمثل خطوة ضمن رؤية أوسع لإعادة إحياء وسط القاهرة التاريخي، وتحويله إلى مركز ثقافي مفتوح يعكس هوية المدينة ويواكب الاتجاهات العالمية في تطوير المدن الإبداعية، حيث يصبح الفن جزءا من المشهد اليومي وليس حدثا منفصلا عنه.